الثلاثاء، 20 أبريل 2010

مقتطف ..

... كُلِّمَا مَرَّتْ عَلَى دُكَّانِهِ الصَّغِيرِ فِي مُنْتَصَفِ الْقَرْيَة ، تَشْعُرُ بأَشْبَاهِ الْفَوَاصِلِ مُمْتَدَّةٍ إِلَيْهَا تُحَاوِلُ جَذْبَهَا بِقُوَّة ، لَيْسَتْ مُسْتَعِدَّةً للْمُجَازَفَة ، فَسُرْعَانَ مَا تَتَحَوَّلُ الْفَوَاصِلُ إِلَى مَتَاهَةٍ أَمَامَهَا ، تَسِيرُ فِيهَا حَيْثُ لاَ شَيءَ سِوَى الْهَوَاجِس الْمُتَلَعْثِمَة و جَبَرُوت الْحَيَاة و الأَقْدَار ، تَسْتَعِيدُ مَشَاهِدَ الْمَاضِي و هِيَ تَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ خَلْفَ الزُّجَاجِ ، لِتَتَصَاعَدَ َأنْفَاسُهَا حِينَ ترَاهُ يَرْفَعُ طِفْلَةً تُشْبِهُ بَراءَةَ صِغَرِهَا البَـائِدَة ؛ لِيُنَاوِلَهَا قِطْعَةً مِنَ الْحَلْوَى الَّتِي كــانَتْ تُحِبُّهَا !

صَرَفَتْ تَفْكِيرَهَا عَنْ عَبْد الرَّحْمن ، و خَطَتْ خُطُوَاتِهَا مُحَاوِلَةً تَنَاسِي كُلَّ وَجَعٍ فِي حَيَاتِهَا ، فَقَدْ سَمِعَتْ فِي إحْدَى مُحَاضَرَاتِ الْجَامِعَة مِنْ أُسْتَاذٍ مُحْتَرِفٍ فِي الْبَرْمَجَةِ الْعَصَبِيَّةِ و صِنَاعَةِ الذَّاتِ :( أَنَّنَا قَادِرُونَ عَلَى بِنَاءِ ذَوَاتِنَا الْمُتَهَدِّمَة إِذَا كُنَّا رَاغِبِينَ فِي ذَلِكَ فَقَط ، أَمَّا و قَدْ فَقَدْنَا الرَّغْبَة فَلَنْ نَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَغْبِيَاءَ يُحْسِنُونَ إِضَاعَةَ الْوَقِتِ ، و الْعَبَثِ بالآمَالِ و الأَحْلاَمِ الْجَمِيلَة ) و هَا هِيَ ذِي تَسْتَجْلِبُ الرَّغْبَةَ فِي اسْتِعَادَةِ الْجَمَالِ وَحْدهُ ، فَهْوَ كَمَا أَدْرَكَتْ أَخِيرًا دَوَاءٌ للرُوحِ الْمُتْخَمَةِ بالْوَجَعِ ، و أُنْسٌ لِكُلِّ قَلْبٍ أَرْدَاهُ الْأَمَل ، و فَرَّ مِنْهُ عَهْدُ الابْتِسَامِ ...

السبت، 17 أبريل 2010

نَظَرَاتٌ أَخِيرَةٌ عَلَى الْفِرْدَوْسِ



كَثِيرًا مَا تَلِجُ فِي ذَاكِرَتِي الْمُهْتَرِئَة مَشَاهِدُ الطُّفُولَةِ الْعَذْبَة العَابِقَةُ بالابْتِسَامَة و الْمُشَاكَسَاتِ و التَّمَرُّدِ ، و خَاصَّةً لَيْلَةَ الإِثْنَيْنِ الَّتِي تَسْبِقُ مَوْعِدِي مَعَ طَالِباتِي فِي الصَّفِ السَّادِسِ ، صَدَقَ مَنْ قَالَ كَمَا تُدِينُ تُدَان ، أَجِدُنِي أَحْيَانًا كَثِيرَة أَبْتَسِمُ و أَنَا أَتَذكَّرُ عِنْدَمَا كُنْتُ أَجُولُ الْمَقَابِرَ و الْمَزَارِعَ و الْوِدْيَانَ و أَتَسَلَّقُ الْجِبَالَ (أَحْيَانًا) ؛ بَحْثًا عَنِ الْحَشَرَاتِ و الْعَقَارِبَ و أَشْيَاءَ أُخْرَى غَرِيبَة ، أَذْكُرُ أَنَّنَا نَنْتَقِي وَقْتَ الظَّهِيرَةِ عِنْدَمَا يَنَامُ أَهْلُونَا لِنَسِيحَ فِي الأَرْضِ و نُنَقِّبُ تَحْتَ الأحْجَارِ عَنِ الْعَقَارِبِ و الثَّعَابِين!!

هِوَايَاتُ الأَطْفَالِ غَرِيبَةٌ حَقًّا ، مَازِلْتُ أَذْكُرُ مَشْهَدَ تِلْكَ الْعَقْرَبِ الضَّخْمَةِ الَّتِي كَانَتْ تَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهَا عَشَرَاتٍ مِنَ الْعَقَارِبِ الصَّغِيرَةِ و كَيْفَ كَانَتْ صَيدًا مُوَفَّقًا بالنِّسْبَةِ لَنَا و خَاصَّةً بَعْدَ حِيلَةِ الْبَطْشِ بِهَا ، أَحْضَرَ أَحَدُهُم وِعَاءً كَبَّهُ عَلَيْهَا يُحَرِكِّهُ قَلِيلاً لِتَخْرُجَ الْعَقَارِبُ الصَّغِيرَةُ و نَقْتُلُهَا وَاحِدةً تِلْوَ الأُخْرِى بالدَّوْرِ حَتَىَ بَقِيَتْ الأُمُّ الَّتِي كَانَ قَتْلُهَا مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِ الْحِيلَة !!

أَذْكُرُ مَرَّةً أَنِي كُنْتُ أَلْعَبُ مَعِ ابْنِ الْجِيرَانِ ( الَّذِي إِنْ رَأَيْتُهُ الآنَ مَا أَظُنُّ أَنِّي سَأَعْرِفُهُ) ، نُمَثِّلُ أَدْوَارَ آبَائِنَا و أُمَّهَاتِنَا و نُقَلِّدَهُم فِي كُلِّ شَيءٍ ، فخَطَرَتْ فِكْرَةٌ جُهَنِمِيَّةُ فِي ذِهْنِ أَحِدِنَا فِي أَنْ نَسْلِقَ بَيْضًا فِي أَوَانِينَا الْفُخَّارِيَّة الَّتِي كُنَّا نَصْنَعُهَا ، و كَانَ بَيْتُنَا الصَّغِيرِ خَلْفَ مَنْزِلِهِم بَيْنَ أَشْجَارِ الغَافِ الْكَبِيرَةِ ، أَحْضَرَ كِبْرِيتًا مِنْ بَيْتِهِمْ و أَشْعَلْنَا النَّار فِي مَوْقِدِنَا الْمُكَوَّنِ مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ و كَمٍّ هَائِلٍ مِنَ الْخُوصِ الْيَابِسِ ، و مَا هِيَ إِلاَّ لَحَظَاتٍ حَتَّى تَسَرَّبَ دُخَانُ النَّارِ الَّتِي وَقَفْنَا مُنْبَهِرَيْنِ جَاثِمَيْنِ أَمَامَهَا و نَحْنُ نَرَاهَا تَلْتَهِمُ بَيْتَنَا الصَّغِيرَ و مَا يَحُفُّهُ مِنَ الْغَافِ الْكَثِيفِ ، و لاَ نَسْمَعُ إِلاَّ صُرَاخَ الْنِّسَاءِ اللَّوَاتِي تَجَمَّعْنَ فِي بَيْتِ الْجِيرَانِ و هُنَّ يَصْرُخْنَ : حَرِيق حَرِيق ...!! تَجَمَّعُوا بِدِلائِهِم يَنْضَحُونَ الْمَاءَ مِنَ الْفَلَجِ بالْجِوَارِ و الَّذِي يُسَمُّونَهُ ( بُو حِمَار ) و نَحْنُ نَنْظُرُ بِبَرَاءَةٍ خَائِفَةٍ للمَشْهَدِ !!

أَشْعُرُ بِسَّعَادَةِ عِنْدَمَا أَذْكُرُ مُعَلِمَةَ الصَّفِ الثَّالثِ الابْتِدَائِيِّ ، الْمُعَلِمَةُ التُّونِسِيَّة الَّتِي تُدْعَى لَطِيفَة الْحَبِيب ، كَانَتْ أُمًّا حَنُونًا عَلَّمَتْنِي الْكَثِيرَ ، و أَظُنُّهَا أَوَّلُ مَنْ أَثَارَ فِي نفْسِي حُبَّ الشِّعْرِ الْعَرَبِيِّ ، جَعَلَتْنَا مَرَّةً نُمَثِّلُ دَرْسَ التَّقْلِيدِ الأَعْمَى فِي حُضُورِ عَدَدِ كَبِيرٍ مِنَ الْمُعَلِّمَاتِ و الأَسَاتِذَة ، كَانَ دَوْرِي فِيهَا دَوْرَ الرَّاعِي ، أُعْجِبَ الْجَمِيعُ و عَزَّزُونَا بكَلِمَاتِهِم الْجَمِيلَة ، كَانَتْ ( ذَكَرَهَا اللهُ بالْخَيْرِ) تُحَفِّظُنِي الْكَثِيرَ مِنَ الْقَصَائِدِ لِأُشَارِكَ بِهَا فِي مُسَابَقَاتِ الإِلْقَاءِ ، جَزَاهَا اللُّهُ عَنِي كُلَّ خَيْرٍ و رَزَقَهَا الْجِنَان .

ذِكْرَيَاتٌ و مَوَاقِفُ لاَ تُنْسَى أَبَدًا ، أَيَّامٌ نَحِنُ إِلَيْهَا و خَاصَّةً عِنْدَمَا يُعَادِينَا الْحَاضِرُ، و يَغِيبُ الْمُسْتَقْبَلُ ، فلاَ نَمْلِكُ سِوَى الْمَاضِي و أَحْلاَمُ الطُّفُولَةِ نَسْتَسْقِي مِنْهَا الْحَيَاة لِنُجَدِدَهَا و نَسْتَلْقِي عَلَى جَمَالِهَا .

حَزِنْتُ لأَنِّي سَأُوَدِّعُ تِلْكَ الْوُجُوهَ اللَّطِيفَة ، رُغْمَ الشَّغَبِ و الْمُشَاكَسَةِ الْمُزْعِجَة إِلاَّ أَنَّ إِبْدَاعَهُنَّ فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ ، كَيْفَ لِي أَنْ أَنْسَى صَابْرَة ، عَهد ، نِفِين ، غَايَة ، بُثَيْنَة، ثُرَيَا ، آيَة ، خُلُود ، إِلْهَام ، مَجَان ...الخ ؟! لاَ سَبِيلَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ .

كَانَ يَوْمُ الإِثْنَيْنِ التَاسِعِ عَشَر مِنْ رَبِيعِ الآخَرِ لِعَامِ 1428هــ الْمُوَافِقِ للسَّابِعِ مِن أَيَار/ مَايُو لِعَامِ 2007م يَوْمًا حَافِلاً فِي مَدْرَسَةِ فَيْضِ الْمَعْرِفَةِ شَرَحْنَا دُرُوسَنَا ، و وَدَّعْنَا طَالِبَاتِنَا ثُمَّ سَلَمْنَا الْمَشْرُوعَ الذِي كَلَّفَتْنَا بِهِ الْمَدْرَسة و الأَعْمَالُ الْجَمَاعِيَّةُ الأُخْرَى ، تَلَقّْيْنَا شُكْرًا مِنْ مُعَلِّمَاتِنَا الْمُتَعَاوِنَات ، أَكْثَرُ مَا أَعْجَبَهُنَّ مِنَ الأَعْمَالِ تَرَصُّدَنَا للأَخْطَاءِ اللُّغَوِيَّةِ فِي لَوْحَاتِ الْمَدْرَسة !

أَجْمَلُ مَا فِي هَذَا الْيَومِ مُرَافَقَةُ زَمِيلَتِنَا الْخَطّاطَة وَضْحَاء السَعِيدِي لَنَا ؛ مِنْ أَجْلِ دَوْرَةِ الْخَطِّ ، حَضَرَتْ مَعِي الْحِصَّة الثَّانِيَة ، عَجِبَتْ مِن نَشَاطِ الطَّالِبَاتِ الزَّائِدِ .

تَأَلَّمْتُ كَثِيرًا أَنِي سَأُفَارِقُ طَالِبَاتُ الصَّفِ السَّادِس ثَانِي ، لَمْ أُعَلِّمْهُنَّ لَكِنَّ عَلاَقَتِي بِهِنَّ تَوَطَّدَتْ عَلَى حُبِّ الْعَرَبِيَّةِ و الإِبْدَاعِ و التَّمَيُّزِ ، فَقَدْ تَحَدَّثْتُ مَعَهُنَّ فِي حِصَصِ الاحْتِيَاطِ ، الفسحَة فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ و أُعْجِبْتُ كَثِيرًا بِمَا يَمْتَلِكْنَ مِنَ الْمَوَاهِبِ الصَّاعِدَة ؛ فَحَرِصْتُ عَلَى التَّوَاصُلِ مَعَهُنَّ .

و مَا أَنْ قُرِعَ جَرَسُ السَّادِسَة حَتَّى ارْتَعَدَتْ فِي نَفْسِي كُلُّ مَوَاطِنِ الأَحْزَانِ ، و أَنَا أَوَزِعُ نَظَرَاتِي الأَخِيرَةَ عَلَى فِرْدَوْسِ التَّرْبِيَةِ الْعَمَلِيَّة ، فَكَانَ عَزَائِي أُنْشُوَدةٌ أُتَمْتِمُ بِهَا :

رُغْمَ أنَّ الشَّمْسَ مَالَتْ للغُرُوب
رُغْمَ أَنَّ اللَّيْلَ قَدْ صَارَ غَرِيب
رُغْمَ أَنَّ الشَّمْعَ ذَابْ
رُغْمَ أَنَّ الْجُرْحَ شَابْ
مَا زَالَ عَهْدُكَ كَامِنًا عُمْقَ الْقُلُوبِ

و مَضَى آخِرُ يَوْمٍ فِي حَيَاةِ التَّرْبِيَةِ الْعَمَلِيَّةِ ، لِيَبْقَى رُوحًا تَنْبِضُ و شَمْسًا تَسْطَعُ فِي ذَاكِرَتِي بِإِذْنِ اللهِ .


الإِثْنَيْنُ التَاسِعُ عَشَر مِنْ رَبِيعِ الآخَرِ لِعَامِ 1428هــ الْمُوَافِقِ للسَّابِعِ مِن أَيَار/ مَايُو لِعَامِ 2007م

قُلُوبٌ خَضْرَاء



فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ السَّبْتِ السَّابِعِ عَشَرَ مِنْ رَبِيعِ الآخَرِ لِعَامِ 1428هــ الْمُوَافِقِ للخَامِسِ مِن أَيَار/ مَايُو لِعَامِ 2007م ، أَدْرَكْتُ سِرَّ جَمَالِ اللَّوْنِ الأَخْضَرِ ، لأَوَّلِ مَرَّةِ أُفَكِرُ فِي مَعَانِي هَذَا اللَّوْنِ ، كُلُّ مَا كَانَ مُلْتَصِقًا بِذِهْنِي أَنَّهُ لَوْنُ الْجَرَادِ و الضَّفَادِعِ ! كُلُّ غُصْنٍ أَخْضَرٍ يَتَحَرَّكُ حَوْلِي أُبَادِلُهُ التَّحِيَّةَ بابْتِسَامَةِ صَامِتَة ، خَرَجْتُ مِنَ السَّكَنِ الْجَامِعِيِّ قَبْلَ السَّادِسَةِ صَبَاحًا ؛ لِذَلِكَ وَجَدْتُ مُتَّسَعًا لأَتأَمَّلَ فِي مَكْنُونَاتِ هَذَا اللَّوْنِ الْبَدِيعِ ، الَّذِي بَدأْتُ أَشْعُرُ بِرَاحَةٍ و تآلُفٍ مَعَهُ ، تَذَكَّرْتُ صَدِيقَةً عَزِيزَةً كُنْتُ أُحَادِثُهَا قَبلَ يَوْمٍ عَبْرَ الشَّبَكَةِ الْعَنْكَبُوتِيَّة ، و قَدْ اخْتَارَتْ لَونًا أَخْضَرًا للكِتَابَةِ ، و كَانَتْ تَقُولُ لِي أَنَّهَا تَكْتُبُ باللَّوْنِ الأَخْضَرِ عِنْدَمَا تَكُونُ سَعِيدَةً !! سَخِرْتُ مِنْهَا بِقَوْلِي : غَرِيبٌ أَنْ يُعَبَّرَ عَنِ السَّعَادَةِ بِلَوْنِ الضَّفَادِعِ !
و هَا أَنَا أُعِيدُ نَظَرِي ثَانِيَةً ، هَلْ حَقًّا أَنَّ لَوْنَ السَّعَادَةِ أَخْضَر ؟! تأَمَّلْتُ مَلِيًّا فِي كُلِّ شَيءٍ أَخْضَر أَمَامِي ، اقْتَنَعْتُ بَعْدَهَا أَنَّهُ لَوْنُ الْحَيَاةِ ، و لَوْنُ السَّعَادَةِ .
وَصَلْنَا الْمَدْرَسَةَ و كَانَ الطَّابُورُ قَائِمًا ، كُنَّا قَدْ اشْتَرَيْنَا بَعْضَ الْهَدَايَا التِّذْكَارِيَةِ لِمُعَلِّمَاتِنَا الْمُتَعَاوِنَات و الْمُعَلِّمَةِ الأُولَى و الْمُدِيرَة ، شُكْرًا و تَقْدِيرًا مِنَّا لَهُنَّ عَلَى جُهُودِهِنَّ مَعَنَا ، تَمَّ تَكْرِيمُهُنَّ فِي الطَّابُورِ كَمَا طَلَبْنَا ، شَكَرْنَنَا كَثِيرًا .
أَخْبَرَتْنِي الْمُعَلِمَةُ الأُولَى بأَنَّ ثَمَّةَ احْتِفَالٌ بَسِيطٌ خَاصٌّ بِنَا فِي الْفُسْحَة أَخْبَرْتُ مَنْ وَجَدْتُ مِنْ زَمِيلاَتِي ، و مَا أنْ انْتَهَيْنَا مِنْ تَعْلِيقِ اللَّوْحَاتِ ، حَتَّى كَانَ مَوْعِدُنَا مَعَ أُسْرَةِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّة ، أُسْرَةُ الرُّقِيِّ و الذَّوْقِ ، ذَهَبْنَا مَعًا لِنُفَاجَئ بكَرَمِهِنَّ عَلَيْنَا ، بَدَأ الْحَفْلُ الأخْضَرُ بِكَلِمَاتِ شُكْرٍ و تَقْدِيرٍ لَنَا ، أَلَقْتْهَا مُعَلِّمَتِي الْمُتَعَاوِنَة بالنِّيَابَةِ عَنْهُنَّ ، ثُمَّ أُتِيحَ الْمَجَالُ للبَقِيَّةِ فَتَحَدَّثْنَ نَقَاءً و عُذُوبَةً كَقُلُوبِهِنَّ الْخَضْرَاء ، كُنَّا فِي قِمَّةِ السَّعَادَةِ الَّتِي يُخَالِطُهَا شَيْءٌ مِنَ الإِحْرَاجِ ، كَرَّمْنَنَا بِهَدَايَا تِذْكَارِيَّة رَائِعَة ، ثُمَّ قَدَّمْنَ لَنَا، أطْبَاقًا مُنَوَّعَةً مِنَ الْمَأَكُولاَتِ و الْمَشْرُوبَات، يَالَهُنُّ مِنْ مُعَلِّمَاتٍ مُثْلَيَاتٍ ، كَانَ يَكْفِينَا ابْتِسَامَتَهُنَّ الْخَضْرَاء الَّتِي نَسْتَلْهِمُ مِنْهَا الثِّقَة و نَتَعَلَّمُ مِنْهَا الْكَثِير ، حِفِظَهُنَّ الرَّحْمنُ و بَارَكَ خُطَاهُنَّ .
أَنْهَيْنَا دُرُوسَنَا ، و اسْتَكْمَلْنَا كُلُّ مَا تَبَقَّى مِن أَنْشِطَةٍ لَنَا وَرْشَةُ الإِلْقَاءِ و الأُصْبُوحَةِ الشِّعْرِيَّةِ الَّتِي شَارَكْتُ فِيهَا بِثَلاَثِ قَصَائِدَ مُنَوَّعَة ، كَانَ اللَّوْنُ الأخْضَرُ يَرْتَسِمُ فِي عَيْنَيَّ ، فَخَشِيتُ أنُ يُغَيِّرَ الْوَدَاعُ اللَّوْنَ الأخْضَرَ إِلَى سَوَادٍ قَاتِمٍ ؛ لِذَلِكَ تَلاَفَيْتُهُ و مَضَيْتُ بأَحْلاَمِي الْخَضْرَاء ، ابْتَسَمْتُ عِنْدَمَا رَأيْتُ إِحْدَاهُنَّ تَرْتَدِي مَلاَبِسَ خَضْرَاءَ و نِعَالاً أَخْضَر !






السَّبْتُ السَّابِعُ عَشَرَ مِنْ رَبِيعِ الآخَرِ لِعَامِ 1428هــ الْمُوَافِقِ للخَامِسِ مِن أَيَار/ مَايُو لِعَامِ 2007م

فِرْدَوْسُ التَّرْبِيَةِ الْعَمَلِيَّةِ



تَصَارَعَ الإِحْسَاسُ دَاخِلِي عِنْدَمَا عَلِمْتُ بأَنَّ مَدْرَسةَ الإِعْدَادِيَّةَ قَدْ غُيِّرَتْ ، كُنْتُ خَائِفَةً أَنْ تَكُونَ كَسَابِقَتِهَا ، إِلاَّ أَنَّ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ الخَامِسِ عَشَرَ مِنْ صَفَر لِعَامِ 1428 هـ المُوافِقُ لِلخَامِسِ مِنْ آذَار/ مَارِس لِعَامِ 2007م أَزَالَ مِنْ أَعْمَاقِي كُلَّ الْهَوَاجِسَ السَّلْبِيَّة ،رُغْمَ أَنِّي كُنْتُ أُعَانِي مِنْ حَالَةٍ صِحِّيَةٍ سَيِّئَةٍ إِلاَّ أَنِّي آثَرْتُ أَنْ لاَ أَضَيِّعَ يَوْمِي الأَوَّلَ فِي مَدْرَسَةٍ جَدِيدَةٍ ؛ لأَنَّ اليَوْمَ الأَوَّلَ هُوَ الَّذِي يُحَدِّدُ مَسَارَ الْفَصْلِ كَامِلاً فِي نَظَرِي ، وَ مَا أَنْ دَخَلْتُ مَدْرَسَةَ فَيْضِ الْمَعْرِفَةِ حَتَّى وَجَدْتُنِي أَحْمُدُ اللهَ الْكَرِيمِ عَلى فَضْلِهِ ، سُبْحَانَ الله ! مَدْرَسَةٌ أَمْ مِصَّحَةٌ نَفْسِيَّةٌ هَذِهِ !
شَعَرْتُ بالاطْمِئْنَانِ مَا أَنْ رَأَيْتُ جَنَّةَ الْمَدْرَسَةِ الْوَارِفَةِ الظِّلاَلِ ، مَنْظَرٌ مُرِيحٌ فِعْلاً؛ فَهِيَ الْمَرَّةُ الأُولَى الَّتِي أَرَى فِيهَا شَجَرَةً تَتَوَسَّطُ الطَّابُورَ ، اتْجَهْنَا إِلَى غُرْفَةِ مُسَاعِدَةِ الْمُدِيرَةِ حَتَّى انْتَهِى الطَّابُورُ ، ثُمَّ سَلَّمْنَاهَا الرِّسَالَةَ ، و تَوَجَّهْنَا إِلَى غُرْفَةِ الْمُعَلِّمَاتِ لِنُقَابِلَ الْمُعَلِّمَةَ الأُولَى ، و لَكِنَّهَا كَانَتْ مَشْغُولَةً بِحِصَّةٍ لَهَا ، انْتَظَرْنَاهَا حَتَّى انْتَهَتْ و جَاءَتْ لِتُوَزِّعَ عَلَيْنَا الْجَدْوَلَ مَعَ مُعَلِّمَةٍ أُخْرَى ، كَانَ نَصِبِي مَعَ الصَّفِ السَّادِسِ كَمَا كُنْتُ أَرْجُو ، بَعْدَ ذَلِكَ دَعَتْنِي مُعَلِّمَتِي الْمُتَعَاوِنَةُ لِتُحَدِّثَنِي عَنْ طَالِبَاتِ الصَّفِ السَّادِسِ و عَنِ الْمَنْهَجِ الَّذِي وَصَفَتْهُ بِالْبَسَاطَةِ ، حَدَّدْتُ مَعَهَا الصُّفُوفَ الَّتِي سَآخُذُهَا و مَوَاعِيدَ الْحِصَصِ ، مَا أَعْجَبَنِي أَنَهَا كَانَتْ حَرِيصَةً عَلى رَاحَتِي كَثِيرًا رُبَّمَا أَكْثَرَ مِنِّي ، و لِسَعَادَتِهَا تَأَثِيرٌ جَمِيلٌ فِي نَفْسِي ، سأَلَتْنِي إِنْ كُنْتُ أُرِيدَ البِدْءَ مِنْ ذَلِكَ اليَّوْمَ ، فَقَدْ كَانَتْ مُسْتَعِدَّةً أَنْ تَتَنَازَلَ عَنِ الْحِصَّتَيْنِ لأَجْلِ أَنْ أَتَعَرَّفَ عَلَى الطَّالِبَاتِ ، غَيْرَ أَنِّي فَضَّلْتُ أَنْ أَحْضُرَ مَعَهَا حِصَّةَ مُشَاهَدَةٍ أَوَّلاً ثُمَّ آخُذُ حِصَّةً أُخْرَى ؛ لِأَتَحَدَّثَ مَعَ الْطَّالِبَاتِ ، و كَانَ مَا طَلَبْتُ .
أُعْجِبْتُ بِحِصَّةِ المُشَاهَدَةِ ، و تَشّوَّقْتُ كَثِيرًا لِحِصَّتِي الَّتِي سَأَلْتَقِي فِيهَا بِطَالِبَاتِي ، رُغْمَ الْفَوْضَى الْمُزْعِجَةِ فِي ذَلِكَ الْفَصْلِ إِلاَّ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ كَثِيرًا ، رُبَّمَا لأَنَّهُنَ أَثْبَتْنَ لِي أنَّ مَكَانَةَ الْمُعَلِّمَةِ مَا زَالَتْ بِخَيْرِ ، و أَنَّ للْعِلْمِ طَالِبِيهِ الْمُجْتَهِدُينَ .
مَا أَنْ خَرَجْتُ و ابْتِسَامَتِي مِنَ الْحِصَّةِ حَتَّى شَرَعْتُ إِلَى مُعَلِّمَتِي الْمُتَعَاوِنَةِ أُعَبِّرُ لَهَا عَنْ مَدَى سَعَادَتِي ، و أَسْأَلُهَا عَنْ دَرْسِ الأُسْبُوعِ الْقَادِمِ الَّذِي بَدَا لِي دَرْسًا مُمْتِعًا فِيمَا بَعْد . خَرَجْتُ إِلَى غُرْفَةِ الطَّالِبَاتِ الْمُتَدَرِّبَاتِ الَّتِي خَصَّصَتْهَا الْمَدْرَسَةُ لَنَا ، فَقَدْ كُنْتُ عَلَى مَوْعِدٍ مَعَ زَمِيلَتِي لِنَبْدَأَ الْعَمَلَ بِرَصْدِ الأَخْطَاءِ اللُّغَوِيَّةِ مِنْ لَوْحَاتِ الْمَدْرَسَةِ ، كَانَ عَمَلاً مُتْعِبًا و مُمِلاًّ إِلاَّ أَنَّنَا أَنْهَيْنَاهُ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْحِصَّةِ السَّادِسَةِ ، فحَمَدْنَا اللهَ الَّذِي أَلْهَمَنَا الصَّبْرَ و الْعَزِيمَة . حَانَ مَوْعِدُ انْصِرَافِنَا و السَّعَادَةُ تُدَاعِبُ نُفُوسَنَا ، و الأَمَلُ يُرَفْرِفُ بَأَجْنِحَتِهِ الْبَيْضَاءِ فِي سَمَاءِ طُمُوحَاتِنَا .




الْخَمِيسُ الثَّامِنُ عَشَرَ مِنْ صَفَر لِعَامِ 1428 هـ المُوافِقُ لِلثَّامِنِ مِنْ آذَار/ مَارِس لِعَامِ 2007م






أَمَــــلٌ عَلَـــى رَصِيـــــفِ الْيَــــأْسِ



رُبَّمَا يُحَاوِلُ الْوَاحِدُ مِنَّا أَنْ يَتَلاَفَى أَيَّ ذِكْرَى مُؤْلِمَةٍ يَمُرُّ بِهَا ، أَوْ تَجْرِبَةٍ عَابِرَةٍ لَمْ يَخْرُجُ مِنْهَا بِأَكْثَرِ مِنْ يَأْسٍ يَجْعَلَهُ يَرَى الْحَيَاةَ بِلَوْنٍ قَاتِمٍ ، كُلٌّ مِنَا يُحَاوِلُ أَنْ يَرْسُمَ اِبْتَسَامَةَ النَّجَاحِ فِي مُخَطَّطَاتِهِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُفَكِّرُ يَوْمًا بِأَيِّ لَوْنٍ يَجِبُ أَنْ يُلَوِّنَ ابْتِسَامَتَهِ ،لَيْسَتْ حَيَاتُنَا إِلاَّ حَقِيبَةَ تَجَارِبٍ حَيَّةٍ ، إِمَّا أَنْ تَصْقِلَ ظُهُورَنَا أَوْ تَكْسِرَهَا ، و التِلْمِيذُ النَّجِيبُ هُوَ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْتَدِي حَقِيبَتَهُ دُونَ أَنْ يَتَضَرَّرَ مِنْهَا ، رَائِعَةٌ هِيَ الْحَيَاةُ عِنْدَمَا نَشْعُرُ بِقِيمَةِ كُلِّ دَقِيقَةٍ مِنْهَا ، عِنْدَمَا نَشْعُرُ بِأَنَّنَا نَمْضِي لأَجْلِ هَدَفٍ سَامٍ ، عِنْدَمَا نَجِدُ ذَاتَنَا فِي الْمَوْقِعِ الصَّحِيحِ .

هَكَذَا كَانَ يَوْمُ الإثْنَيْنِ الثَامِنِ مِنْ شَهْرِ صَفر لِعَامِ 1428 هــ المُوَافِقُ للسَّادِسِ والْعِشْرِينَ مِنْ شبَاط/فِبْرَايِر لِعَامِ 2007 م ، تَجْرِبَةٌ بِطَعْمٍ خَاصٍ جِدًا ، اسْتَطَعْنَا مِنْ خِلاَلِهَا أَنْ نَعْرِفَ حَجْمَ الْجُهْدِ الَّذِي نَحْتَاجُهُ لإِعَادَةِ بِنَاءِ عَقْلِ جِيلٍ هَدَّمَتْهُ عَوَامِلُ التَّعْرِيَةِ ، لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ أَنَّ عَوَامِلَ الْهَدْمِ قَدْ اسْتَفْحَلَتْ و رَبَتْ إِلَى تِلْكَ الدَّرَجَةِ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَيْهَا فِي الْمَدْرَسَةِ الَّتِي ذَهَبْنَا إِلَيْهَا ذَلِكَ الصَّبَاحُ الرَّمَادِيِّ !

مَا أَنْ وَصَلْنَا إِلَى الْمَدْرَسَةِ حَتَّى رَأَيْنَا الْعَجَبَ الْعُجَابِ ، وُجُوهًا مُلَطَّخَةً بأَلْوَانِ الطَّيْفِ ، جَعَلَتْنَا نَشْعُرُ أَنَّنَا دَخَلْنَا سَاحَةَ عُرْسٍ خَطَأً ، تَاهَتْ خُطَانَا ، وَقَّعْنَا الْحُضُورَ و أَنَا أَقُولُ لِزَمِيلَتِي مَرْيَمَ أَشْعُرُ بِضِيقٍ و غَثَيَان، خَرَجْنَا لِنَبْحَثَ عَنْ غُرْفَةِ المُعَلِمَاتِ ، مَكَانُهَا كَانَ عَلى غَيْرِ الْمُعْتَادِ فِي مُعْظَمِ الْمَدَارِسِ ، وَضَعْنَا أَغْرَاضَنَا عَلى طَاوِلَةِ مُعَلِمَاتِ اللغَةِ الْعَرَبِيَّةِ اللَّوَاتِي كُنَّ فيِ قِمَةِ الطِّيبَةِ ، و لِسَانُ حَالِي يَقُولُ لاَ بُدَّ أَنْ نُوَاكِبَ مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ الْمَدْرَسَةُ مِنَ الانْفِتَاحِ المُشِينِ ، فَنَحْنُ لَمْ نَرَ شَيْئًا بَعْدُ ، و يَجِبُ أَنْ نَتَرَيَّثَ فِي الْحُكْمِ ، خَرَجْنَا للطَّابُورِ و نَحْنُ نَتَتَبَّعُ بِأَسْمَاعِنَا صَوْتَ الإذَاعَةِ ( الرَّادْيُو ) ، عَادَةٌ جَعَلَتْنِي أَتَذَكَّرُ مَا كُنْتُ أَقْرَؤه ُ عَنِ الأَحْزَابِ السِّيَاسِيَّةِ زَمَنَ السَّادَاتِ و جَمَال عَبْدِ النَّاصِر و خِطَابَاتِهم السِّيَاسِيَّة الَّتِي يَحْرِصُ الوَطَنُ الْعَرِبِيُّ عَلَى سَمَاعِهَا مِنْ إِذَاعَةِ صَوْتِ الْعَرَبِ ، اسْتَحْسَنْتُهَا ، فَقَدْ تَكُونُ طَرِيقَةً مُجْدِيَةً ، لِتَعْرِيفِ المُعَلِّمَاتِ و الطَّالِبَاتِ بَأهَمِ مُسْتَجَدَّاتِ الْعَالَمِ السِّيَاسِيَّةِ و الاقْتِصَادِيَّةِ و الاجْتِمَاعِيَّةِ و الْفَنِيَّةِ ، تَوَقَّعْتُ أَنْ تُغْلِقَ فَوْرَ بِدْءِ الطَّابُورِ الصَّبَاحِيِّ ، غَيْرَ أَنَّ بَقَاءَ الصَّوْتِ الْخَافِتِ مُخَالِطًا للطَّابُورِ أَدْهَشَنِي ، و خَاصَّةً فِي لَحْظَةِ السُّكُونِ قَبْلَ النَّشِيدِ الْوَطَنِيِّ ، أَوْ أَثْنَاءَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، شَيْءٌ عَجِيبٌ كَيْفَ يُخْلَطُ هَذَا بِأَصْوَاتِ الْمُغَنِينَ الصَّاخِبَةَ و إِنْ كَانَتْ خَافِتَةً فِي نَظَرِهِنَّ !!!

فُوجِئْنَا بَأَنَّ الْمَدْرَسَةَ أَخَّرَتْ الاحْتِفَالَ بِعِيدِ الْمُعَلِّمِ إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمَ ؛ فَقَدْ كَانَتْ مَشْغُولَةً قَبْلاً بالإِعْدَادِ لاسْتِقْبَالِ لَجْنَةِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى النَّظَافَةِ و الصِّحَةِ فِي الْبِيئَةِ الْمَدْرِسَيَّةِ الَّتِي مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنْ تَزُورَهَا ذَلِكَ الْيَوْمِ لَوْلاَ أَنَّ الْقُرْعَةَ كَانَتْ عَلَى مَدْرَسَةٍ أُخْرَى ، غَبِيٌّ مَنْ يَقْتَنِعُ بَأَنَّ ذَلِكَ الْحَفْلَ كَانَ لأَجْلِ الْمُعَلِّمِ !! فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَجِدَ أَدْنَى رَابِطٍ بَيْنَ الْحَفْلِ و عِيدِ المُعَلِمِ سِوَى فِقْرَةٍ أَخِيرَةٍ وُزِّعَتْ فِيهَا الْهَدَايَا للْمُعَلِّمَاتِ ، كَانَ حَفْلاً صَاخِبًا مُقْتَصِرًا عَلَى الرَّقَصَاتِ الشَّعْبِيَّةِ المُنَوَّعَةِ و عَرْضِ الْجُمْبَازِ و مَسْرَحِيَّةٍ عَنْ أَمِيرَةٍ لاَ تُحَافِظُ عَلَى نَظَافَتِهَا الشَّخْصِيَّةِ و صِحَّتِهَا !!

خَلاَلَ الْحَفْلِ جَاءَتْ طالِبَةٌ إِلَيْنَا بِدَفْتَرِ الاحْتِيَاطِ ، أَخَذْتُ الصَّفَ الْخَامِسَ فِي الْحِصَّةِ الرَّابِعَةِ ، قُلْتُ فِي نَفْسِي لَعَلَّ بَرَاءَةَ الطُّفُولَةِ سَتُنْسِينِي عَنَائِي هُنَا ، و انْصَرَفْتُ إِلَى غُرْفَةِ الْمُعَلِّمَاتِ أَسْأَلُ عَنِ الْمُعَلِّمَةِ الأُولَى للُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ كَالْعَادَةِ ، كَانَتْ لاَ تَزَالُ فِي الطَّابُورِ ،انْتَظَرْنَاهَا حَتَّى انْتَهَى الطَّابُورُ بَعْدَ الْحِصَّةِ الثَّانِيَةِ ، ثُمَّ جَاءَتْ لِتُوَزِعَنَا عَلى المُعَلِمَاتِ ، و الْغَرِيبُ فِي الأَمْرِ أَنَّ عَدَدَ المُتَدَرِّبَاتِ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ عَدَدِ المُعَلِمَاتِ فِي الْمَدْرَسَةِ ، كَانَ حَظِّي مَعَ الصَّفِ السَّادِسِ ، لَمْ أَتّذَمَّرْ أَبَدًا، بَلْ عَلى الْعَكْسِ نَظَرْتُ إِلَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فَرْصَةٌ للتَّدريبِ عَلَى التَّعَامُلِ مَعَ الْبَرَاعِمِ الصَّغِيرَةِ ، تَعّرَّفْتُ عَلَى مُعَلِّمَتِي الْمُتَعَاوِنَةِ ، كَانَتْ هَادِئَةَ الطَّبْعِ ، لَطِيفَةَ التَّعَامُلِ ، طَيِّــبَةً للغَايَةِ ، تَكَلَّمْتُ مَعَهَا و اتَّفَقْنَا عَلى أُنْشُودَةِ الْمُمَرِّضَةِ دَرْسًا لِلأُسْبُوعِ الْقَادِمِ ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَ زَمِيلاَتِي لاسْتِكْشَافِ مَرَافِقَ الْمَدْرَسَةِ ، دَقَّ جَرَسُ الفُسْحَةِ فإِذَا بِمُعَلِمَةٍ بَهِيَّةِ المُحَيَّا تَقُولُ للطَّالِبَاتِ المُتَدَرِّبَاتِ بِكُلِّ ذَوْقٍ و مَرَحٍ جَمِيلٍ : أَخَوَاتِي الْعَزِيزَاتِ يُسِرُنَا أَنْ تُشَارِكْنَنَا ( البُوفيه ) الذِي نُقِيمُه نَحْنُ الْمُعَلِّمَاتِ بِمُنَاسَبَةِ عِيدِ المُعَلِّمِ ، قَبِلْنَا الدَّعْوَةَ و ذَهَبْنَا مَعَهَا ، أَطْبَاقٌ مُشَكَّلَةُ مِنَ الْحَلْوَى و الْمُعَجَّنَاتِ و أَنْوَاعٌ مِنَ الْمَشْرُوبَاتِ الْغَازِيَّةِ و الْعَصَائِرَ كَانَتْ بانْتِظَارِنَا ، أَخَذْنَا مَا شِئْنَا و عُدْنَا إِلَى غُرْفَةِ المُعَلِمَاتِ ، فَلاَ مَكَانَ لَنَا هُناَكَ .

مَرَّ الوَقْتُ سَرِيعًا ، حانَ مَوْعِدَي مَعَ حِصَّةِ الاحْتِيَاطِي ، ذَهَبْتُ إِلَى الصَّفِ تَصْحَبُنِي زَمِيلَةُ التأْهِيلِ ، فَقَدْ أَخَذَتْ الحِصَّةَ الَّتِي تَلِيهَا احْتِيَاطِيًّا ، و كَانَتْ الْمَرَّةَ الأُولَى بالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا ، و لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ كَيْفَ يُمْكِنُ اسْتِغْلاَلُ حِصَصِ الاحتِيَاطِ ، دَخَلْنَا إِلَى الْفَصْلِ و سَلَّمْنَا ، حَقِيقَةً عَانَيْتُ كَثِيرًا عِنْدَمَا اكْتَشَفْتُ أَنَّ الطُّفُولَةَ سُلِبَتْ مَزَايَاهَا ، كُنْتُ أَسْمَعُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ بَعِيدٍ ، و لَكِنَّ لَمْ أَتَوَقَّعْ يَوْمًا أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا مُعَاشًا ، رَأَيْنَا مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ و سَمِعْنَا مَا لاَ أُذْنٌ سَمِعَتْ، أَحَسَسْتُ بالْغُرْبَةِ و كَأَنَّنِي أَعِيشُ فِي دَوْلَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ بِلاَ مَبَادِئَ و لاَ أَخْلاَقِيَّاتِ ، تَعَرَّفْتُ عَلَى مَوَاهِبَ غَرِيبَةَ مَازِلْتُ أُفَكِّرُ فِي مَدَى حَاجَةِ مُجْتَمَعٍ إِسْلاَمِيٍّ إلَيْهَا ، مَا صَدَّقْنَا أَنْ انْتَهَتِ الحِصَّةُ ؛ لِنَخْرُجَ إِلَى حِصَّةِ احْتِيَاطٍ أُخْرَى سُجِّلَتْ لِزَمِيلَتِي ، ذَهْبْنَا مَعًا أَيْضًا ، كَانَتْ للِصَّفِ السَّادِسِ ، غَيْرَ أَنَّ فَارِقَ سَنَةٍ كَانَ لَهُ تَأْثِيرٌ طَفِيفٌ عَلَى الأَقَلِّ ، فَطَالِبَةُ الصَّفِ السَّادِسِ خَرَجَتْ مِنَ الصَّفِ و قَدْ أَعْلَمَتْنِي أَنَّهَا سَتَخْرُجُ ، و لَمْ تَنَمْ عَلى الأَرْضِ أَمَامَنَا كَمَا فَعَلَتْ طَالِبَةُ الْخَامِسِ! خَرَجْتُ و أَنَا أُرَدِّدُ اللَّهُمَّ إِنِي لاَ أَسْأَلُكَ رَدَّ القَضَاءِ و لَكِنِّي أَسْأَلُكِ اللُّطْفَ فِيهِ .

قَرَأْتُ فِي عُيُونِ زَمِيلاَتِي اسْتِيَاءً ، هَكَذَا نَحْنُ عِنْدَمَا يَتَكَثَّفُ الأَلَمُ فِي قَلْبِ أَحَدِنَا ، لَنْ يَجِدَ غَيْرَ الصَّحْرَاءِ مَلْجَأً ، يَهِيمُ فِيهَا رَاغِبًا أَنْ يُمَرِّغَ قَلْبَهُ فِي كُثْبَانِهَا المُحْرِقَةِ ، لَعَلَّ لَهِيبَهَا يُبَخِّرُ الأَلَمَ ، مَسَاكِينٌ نَحْنُ حَقًّا ، مَتَى نَكْتَشِفُ بِأَنَّ حَرَارَةَ الصَّحْرَاءِ فَقَدَتْ لَذَّتَهَا و لَمْ تَعُدْ كَسَابِقِ عَهْدِهَا ، إِنَّهُ الزَّمَنُ الَّذِي تَخُونُ فِيهِ الرِّمَالُ قُلُوبَنَا الْجَرِيحَةَ المُثْخَنَةَ بالْوَجَعِ .
خَرَجْنَا مِنْ تِلْكَ الْمَدْرَسَةِ و نَحْنُ نَحْمِلُ رَجَاءً بِنَقْلِنَا إِلَى أُخْرَى أَفْضَلَ ، فَكَّرْتُ فِيمَا اسْتَفَدْتُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمَ ، إِنَّهَا أَعْظَمُ حَقِيقَةٍ غَائِبَةٍ ، و أَرْوَعُ دَرْسٍ جَعَلَنِي أُدْرِكُ قِيمَةَ التَّرْبِيَةِ و الدِّينِ و الأَخْلاَقِ عِنْدَمَا تَتَّحِدُ مَعَ التَّعْلِيمِ ، و رَأَيْتُ وَاقِعَ تَفَرُّقِهَا ، تَزَاحَمَتِ الأَفْكَارُ فِي ذِهْنِي ، وَصَلَ تَفْكِيرِي إِلَى الطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ أُرَبِّي عَلَيْهَا أَوْلاَدِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ و تَحَدِّي الزَّمَنِ بِكُلِّ مَا يَحْمِلُ مِنْ مُفَاجَآتٍ سَخِيفَةٍ كَتِلْكَ، و أَخِيرًا أَجِدُنِي أَبْتَسِمُ و أَنَا أَقُولُ لِنَفْسِي لابُدَّ أَنَّ فِي الأَمْرِ خَيْرًا كَثِيرًا !!

يَوْمُ الخَمِيسِ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ صَفر لِعَامِ 1428 هــ المُوَافِقُ للأَوَّلِ مِنْ آذار/ مَارِسَ لِعَامِ 2007 م

مُعَلِّمَـــةٌ أَنَــا و الْيَــوْمُ يَـــــوْمِي




طَوَيْتُ سَجَّادَتِي بَعْدَ أَنْ أَنْهَيْتُ قِرَاءةَ الْحِزْبِ الثَّانِي عَشَرَ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، اسْتَلْقَيْتُ عَلَى كُرْسِيٍّ ، و بَدَأْتُ أَسْتَرْجِعُ أَحْدَاثَ يَوْمٍ سَابِقٍ ، أَذْكُرُ أَنِّي حَاوَلْتُ النَّوْمَ مُبَكِّرًا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِقَةِ ، غَيْرَ أَنَّ الأَفْكَارَ لاَ تَتْرُكُنِي و شَأْنِي أَبَدًا ، فَقَرَّرْتُ أَنْ أَتَخَلَّصَ مِنْهَا بِطَرِيقَتِي الْخَاصَةِ ، تَنَاوَلْتُ دَفْتَرِي الأَزْرَقَ لِأُدَوِّنَ فِيهِ بَعْضَ المُرَاسَلاتِ و الْحِوَارَاتِ الشِّعْرِيَّةِ الأخَوِيَّة الَّتِي كُنْتُ أَحْتَفِظُ بِهَا فِي هَاتِفِي النَّقَالِ الذِي يَصْرُخُ لِكَثْرَتِهَا ، حَتَّى بَدَأْتُ أَشْعُرُ بالتَّعَبِ فَتَوَقَّفْتُ عِنْدَ رِسَالَةٍ مِنَ الصَّدِيقَةِ الشَّاعِرَة كَوْثَر الْغَافِريَّة تَقُولُ لِي فِيهَا مُعَاتِبَةً بَعْدَ طُولِ انْقِطَاع :

سَأَلْتُ عَنْكِ النَّدَى و الْوَرْدَ و الْعِنَبَا

و الطَّيْرَ يُنْشِدُ أَلْحَانَ الْهَوَى طَرَبَا

سَأَلْتُ عَنْكِ الشَّذَى و الرَّوْضَ مُبْتَسِمًا

و الرِّيحَ مُرْسَلَةً و الْغَيْثَ مُنْسَكِبَا

سَأَلْتُ عَنْكِ فَلَمْ أَعْثُرْ عَلى نَبَأٍ

فَهَلْ سَيُسْعِدُنِي عَبْرَ الأَثِيرِ نَبَا ؟!




فَكَانَ رَدِّي عَلَيْهَا بِقَوْلِي :

هَذَا مَقَالِي إِلَيْكِ الْيَوْمَ أَبْعَثُهُ

لِتَعْلَمِي خَبَرًا بالسَّعْدِ قَدْ كُتِبَا

فالْحَمْدُ للهِ مَا زِلْنَا عَلِى أَمَلٍ

مَا دَامَ مِنْكِ عَبِيرُ الْوَصْلِ مَا نَضَبَا

و بالْفُؤَادِ لَكِ ذَا الْيَوْمَ مَنْزِلَةٌ

فَلْتَسْأَلِي الْبَحْرَ و الأَمْوَاجَ و السُّحُبَا

تُنْبِئْكِ أَنِي بِأَشْوَاقِي عَلَى لَهَفٍ

لأَنْ أُعَانِقَ حَرْفًا مِنْكِ مُحْتَجِبَا

و ذَا قَصِيدِي أَرَاهُ الْيَوْمَ فِي فَرَحٍ

فَلَمْ تُخَاطِبْهُ قَبْلَ الْيَوْمِ رِيحَ صَبَا


بَعْدَهَا أَغْلَقْتُ دَفْتَرِي ؛ لأُسَلِّمَ نَفْسِي لِنَوْمٍ عَمِيقٍ ، لاَ أَذْكُرُ أَنِّي رَأَيْتُ أَحْلاَمًا تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، فَقَدْ اسْتَيْقَظْتُ فِي الْخَامِسَةِ و النِّصْفِ تَقْرِيبًا ، صَلَيْتُ وَ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ تَكُونَ بِدَايَةً مُوَفَّقَةً بِإِذْنِهِ ، سَمِعْتُ طَرَقَاتٍ عَلَى الْبَابِ فَفَتَحْتُهُ؛ لأَجِدَ آسْيَا و أَمَلْ يَطْلُبَانِ مِنِّي أَنْ أُعَجِّلَ الْمَسِيرَ مَعَهُمَا ، طَلَبْتُ مِنْهُمَا أَنْ يَذْهَبَا عَلَى أَنْ أَلْحَقَ بِهِمَا .

لاَ أَدْرِي سِرَّ سَعَادَتِي ذَلِكَ الْيَوم ، إنَّهُ يَوْمُ السَّبْتِ السَّادِسِ مِنْ شَهْرِ صَفر مِنْ عَامِ 1428 هــ المُوَافِقُ للرَّابِعِ و الْعِشْرِينَ مِنْ شبَاط / فِبْرَايِر لِعَامِ 2007 م ، خَرَجْتُ مُسْرِعَةً لأَلْحَقَ بِزَمِيلاتِي ، لَحِقْتُ بِهِنَّ و سَلَّمْتُ عَلَيْهِنَّ ، و قَدْ كُنْتُ أَتَغَنَّى بِقَوْلِ الشَّاعِرِ :


كَانَ الصَّبَاحُ قَصِيدَةً عَرَبِيَّةً

و الشَّمْسُ تُنْشِدُهَا فَلا تَتَلَعْثَمُ

كَانَتْ رُبُوعُ الْقُدْسِ أَرْضًا حُرَّةً

تُرْعَى كَرَامَتُنَا بِهَا و تُعَظَّمُ

يَأْتِي إِلَيْهَا الْفَجْرُ طِفْلاً أَشْقَرَا

و لِسَانُهُ بالذِّكْرَيَاتِ يُتَمْتِمُ

كُنَّا بِهَا الأَحْبَابُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا

دِينٌ يَلُمُّ شَتَاتَنَا و يُنَظِّمُ


دَهْشَةٌ غَمَرْتْنَا مَا أَنْ وَصَلْنَا إِلَى مَوْقِفِ الْحَافِلاتِ ، و كأَنَّ غَمَامَةً سَوْدَاءَ قَدْ حَطَّتْ عَلَى الأَرْضِ!! يَا لَهَا مِنْ أَعْدَادِ هَائِلَةٍ مِنَ الطَّالِبَاتِ لَمْ نَعْتَدْ عَلَيْهَا سَابِقًا ؛ فَقَدْ أُضِيفَتْ دُفْعَةُ التَّأْهِيلِ مَعَنَا هَذَا الْفَصْلُ ، اسْتَغْرَقَ تَوْزِيعُ الْحَافِلاتِ عَلى الْمَدَارِسِ زَمَنًا لَيْسَ قَصِيرًا ، اسْتَطَعْنَا خِلاَلَهُ التَّعَرُّفَ عَلَى زَمِيلَةٍ جَدِيدَةِ لَنَا مِنْ طَالِبَاتِ التَّأْهِيلِ التَّرْبَويِّ ، انْطَلَقْنَا فِي السَّابِعَةِ تَقْرِيبًا ، طُرُقُ الدَّاخِلِيَّةِ تُشْعِرُنِي بالرَّاحَةِ النَّفْسِيَة ، طَبِيعَةٌ تَأْسِرُنِي بِتَنَوُّعِهَا بَيْنَ الْوِدْيَانِ و السُّهُولِ و الْجبَالِ ، كَمْ هُوَ مَنْظَرٌ رَائِعٌ عِنْدَمَا تَرَى سَحَابَةً صَبَاحِيَّةً تَعْصِبُ جَبِينَ الْجَبَلِ فِي لَوْحَةٍ إِلَـــــهِيَّةٍ أَخَّاذَةٍ ، أَوْصَلْنَا الطَّالِبَاتِ الْمُتَدَرِّبَاتِ فِي مَدْرَسَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ قَيْسٍ أَوَّلاً ، ثُمَّ انْطَلْقْنَا إِلَى عَائِشَةَ أُمُّ المُؤْمِنِينَ ، وَصَلْنَا فِي السَّابِعَةِ و خَمْسٍ و َ أَرْبَعِينَ دَقِيقَةً تَقْرِيبًا ، كَانَ طَابُورُ الصَّبَاحِ لاَ يَزَالُ قَائِمًا ، إِنَّهُنَّ يَحْتَفِلْنَ بِيَوْمِ الْمُعَلِمِ ، مُنَاسَبَةٌ تُشْعِرُنِي بالْفَخْرِ الْكَبِيِرِ ، تَنَوَّعَ الْحَفْلُ بَيْنَ التَّمْثِيلِيَّاتِ و الأَنَاشِيدِ و الْقَصَائِدِ و كَلِمَاتِ الشُّكْرِ و تَوْزِيعِ الْوُرُودِ ... الخ ،كَانَ حَفْلاً رَائِعًا مُؤَثِرًا شَعَرْنَا بِقِيمَتِنَا و خَاصَّةً عِنْدَمَا وُجِّهَتِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ إِلَيْنَا نَحْنُ الطَّالِبَاتِ المُتَدَرِّبَاتِ ، إِنَّهُ تَرْحِيبٌ مِنْ نَوْعٍ رَاقٍ ، أُكْرِمْنَا أَيَّمَا إِكْرَام ، ارْتَحْنَا جَمِيعًا للمَدْرَسَةِ الَّتِي احْتَضَنَتْنَا فِي ذَلِكَ الْيوْمِ الْمُبَارَكِ .

بَيْنَمَا نَحْنُ نَسْتَمِعُ إِلَى تِلْكَ الْكَلِمَاتِ الْعَذْبَةِ ، جَاءَتْنِي أَسْمَاءُ الْجَامِعِيَّةُ ، ابْنَةُ أَدِيبِ سَمَائِلَ و شَاعِرِهَا أَبِي سُرور ، إِنَّهَا مُعَلِمَةٌ فِي تِلْكَ الْمَدْرَسَةِ ، جَمَعَنِي و إِيَّاهَا الشِّعْرُ فِي أُمْسِيَاتٍ سَابِقَةٍ كَانَ آخِرَهَا تِلْكَ الّتِي أَقَامَهَا مَوْقِعُ الْمَجَرَّةِ الإِسْلاَمِيِّ الْخَمِيسَ السَّابِقَ بالْجَامِعَةِ ، ... ، رَحَبَتْ أَسْمَاءُ بِي و بِزَمِيلاَتِي ، و بَيْنَمَا كُنَّا كَذَلِكَ ، إِذَا بإِحْدَى الْعَامِلاتِ فِي الْمَدْرَسَةِ تَقُولُ لِي : ( بَكُونْ دُكْتُورْكُمْ جَايْ ) ، بَادَلْتُهَا الابْتِسَامَة و شَكَرْتُهَا لإِبْلاغِنَا ، ذَهَبْتُ لأتَأَكَّدَ ، فَوَجَدْتُهُ فِي مَكْتَبِ المُدِيرَةِ ، سَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَرّدَّ السَّلامَ ، و سَأَلَنِي عَنِ الأَحْوَالِ ، ثُمَّ طَلَبَ مِنِّي أَنْ أُبْلِغَ زَمِيلاَتِي بِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَجْتَمِعَ بِنَا ، لِيُخْبِرُنَا بَعْضَ الْمُتَطَلَّبَاتِ ؛ حَتَّى لاَ يَكُونُ لَنَا حُجَّةً إِنْ قَصَّرْنَا فِيمَا بَعْد ، عُدْتُ إِلَيْهِنَّ و َ أَخْبَرْتُهُنَّ أَنَّ الدُّكْتُور يَطْلُبُنَا ، اجْتَمَعَ بِنَا فِي مَكْتَبِ الْمُدِيرةِ ، أخْبَرَنَا مَا يَجِبُ عَليْنَا خِلاَلَ الْفَصْلِ و سَلَّمَنَا بَعْضَ الأَوْرَاقِ الَّتِي تُهِمُّنَا ، دَخَلَتْ عَلَيْنَا المُدِيرَةُ و رَحَبَتْ بِنَا ،ثُمَّ تَرَكَتْنَا مَعَ الدُّكْتُورِ ، سَأَلَنَا إِنْ كُنَّا نَرْغَبُ فِي الاسْتِفْسَارِ عَنِ أَيِّ شَيءٍ و لَـــكِنْ لا يَبْدُو أَنَّ هُنَالِكَ مَنْ تَرْغَبُ فِي السُّؤالِ ، لاَحَظْتُ بِأَنَّ أَمْرًا غَيْرَ طَبِيعِيٍّ فِي وَجْهِ بَعْضِهِنَّ ، رُبَّمَا لِمَوْقِفٍ مَعَ الدُّكْتُورِ أَو ...لاَ أَدْرِي و لَكِنْ مِهْمَا كَانَ فلاَ أَظُنُّ بِأَنَّ الأمْرَ يَسْتَحِقُ لأَنْ يَصِلَ لِدَرَجِةِ أَنْ نُلاحِظَهُ !! اسْتَأَذَنَنَا بالانْصِرَافِ و غَادَرَنَا بَعْدَ أَنْ اطْمَئَنَّ بِأَنَّ أُمُورَنَا فِي أَفْضَلِ حَالٍ .

عُدْنَا ثَانِيَةً إِلَى طَابُورِ الصَّبَاحِ ، طَالَ الطَّابُورُ فَسَأَلْتُ عَنِ الْمُعَلِّمَةِ الأُولَى ، أَشَارَتْ إِحْدَاهُنَّ لأُخْرَى قَائِلَةً : إِنَّهَا هُنَاك ، و مَا أَنْ اقْتَرَبَتْ مِنَّا حَتَّى أَخْبَرَتْهَا الْمُعلِّمَةُ الَّتِي كَانَتْ بِجَانِبِي أَنَّنَا نَسْأَلُ عَنْهَا ، بَدَتْ فِي غَايَةِ الطِّيبَةِ ، سَلَّمَتْ عَلَيَّ و سَأَلَتْنِي عَنِ الْحَالِ و الأَخْبَارِ ، ثُمَّ سَأَلَتْنِي عَنِ اسْمِي ، و طَلَبَتْ مِنِّي كِتَابَةَ أَسْمَاءِ الطَّالِبَاتِ الْمُتَدَرِّبَاتِ فِي وَرَقَةٍ ، فَعَلْتُ و سَلَّمْتُهَا مَا طَلَبَتْ ، انْتَهَى الطَّابُورُ الصَّبَاحِيُّ مَعَ نِهَايَةِ الحِصَّةِ الثَّانِيَةِ ، الْتَقَيْنَا بالْمُعَلِّمَةِ الأُولَى فِي الْحَصَّةِ الثَّالِثَةِ ، فَرَتَّبَتْ لَنَا مَعَ الْمُعَلِمَاتِ المُتَعَاوِنَاتِ ، سُعِدْتُ كَثِيرًا بالنِّظَامِ و التَّرْتِيبِ .
طَلَبَتْ الْمُدِيرَةُ أَنْ تَجْتَمِعَ بِجَمِيعِ الطَّالِبَاتِ الْمُتَدَرِّبَاتِ و مُعَلِّمَاتِهِنَّ الأَوَائِلِ ، أَرْيَحِيَّةٌ فِي التَّعَامُلِ ، فِكْرٌ رَاقٍ ، أَوْضَحَتْ لَنَا كُلَّ شَيءٍ ، ثُمَّ تَرَكَتْ فُرْصَةَ الْحَدِيثِ للمُعَلِّمَاتِ الأَوَائِلِ ، لَمْ يَجِدْنَ بَقِيَّةً لِكَلاَمِ المُدِيرَةِ ، اكْتَفَيْنَ بِتَأْكِيدِ كَلاَمِهَا ، بَعْدَهَا انْصَرَفْنَا كُلٌّ لِشَأْنِهِ ، فأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ لِقَائِي بِمُعَلِمَتِي الْمُتَعَاوِنَةِ ، إِنَّهَا وَدُودَةٌ ، هَادِئَةُ الطَّبْعِ ، تَعَرَّفْتُ عَلَيْهَا و سأَلْتُهَا عَنْ كُلِّ مَا أُرِيدُ ، و اسْتأْذَنْتُهَا فِي حُضُورِ حِصَّةِ مُشَاهَدَة ، بَدَتْ مُتَرَدِّدَةَ قَلِيلاً إِلاَّ أَنَّهَا سَمَحَتْ لِي بِحُضُورِ الْحِصَّةِ الْخَامِسَةِ مَعَهَا ، و أَخْبَرَتْنِي أَنَّ أُمُورَهَا مُخْتَلِطَة ؛ لأَنَّهَا نَسِيتْ الْمَرْجِعَ الْخَارِجِيَّ للدَّرْسِ ، قُلْتُ لَهَا هَذِهِ أُمُورٌ طَارِئَةٌ و تَحْدُثُ لَنَا جَمِيعًا .
انْتَهَتِ الرَّابِعَةُ ، و هَا هُوَ مَوْعِدِي مَعَ طَالِبَاتِي و مُعَلِّمَتِي ، خَرَجْتُ مَعَهَا ، اسْتأْذَنَتْنِي لِدَقَائِقَ تَذْهَبُ فِيهَا للْمَكْتَبَةِ ، ثُمَّ عَادَتْ مَعَ طَالِبَةٍ رَأَيْتُهَا الصَّبَاحَ تَبْحَثُ عَنْ فَصْلٍ لَدَيْهِ حِصَّةُ احْتِيَاطِي لِتُقِيمَ لِطَالِبَاتِهِ مَشْغَلاً عَنِ الإِذَاعَةِ الْمَدْرَسِيَّةِ ، تَبْدُو طَالِبَةً نَشِيطَةً ، سَلَّمَتْ عَلَيَّ ، و سأَلَتْنِي : مِنْ أَينَ أَنْتِ يَا أُسْتُاذَة ؟ أَجَبْتُهَا بابْتِسَامَةٍ : لَسْتُ بَعِيدَةً عَنْكُمْ ، مِنْ نَزْوَى ، رأَيْتُ سَعَادَةً فِي عَيْنَيْهَا و هِيَ تَقُولُ لِي : الحَمْدُ للهِ مُتَّفِقِينَ إِذَنْ !! رُغْمَ أَنِّي لَمْ أَفْهَمْ مَا تَقْصِدُهُ و لَكِنِّي أَجَبْتُهَا : بِإِذْنِ اللهِ !!
دَقَّاتُ قَلْبِي تَتَسَارَعُ و أَنَا أَخْطُو خُطُوَاتِي الأُولَى دَاخِلَ الفَصْلِ وَرَاءَ الأُسْتَاذَةِ ، لَمْ أَسْتَطِعْ تَرْجَمَةَ مَا يَحْدُثُ لِي ، غَيْرَ أَنِّي تَصَنَّعْتُ الابْتِسَامَةَ و حَاوَلْتُ التَّنَفُسَ بِعُمْقٍ ، سَلَّمْتُ عَلَيْهِنَّ ، فَقَدَّمْنَ لِي قِطْعَةَ حَلْوَى أُلْصِقَ بِهَا وَرَقَةٌ صَغِيرَةٌ كُتِبَ عَلَيْهَا : ( كُلُّ عَامٍ و أَنْتِ بِخَيْرٍ يَا مُعَلِّمَتِي) ، فَسَارَعْتُ للخَلْفِ قَبْلَ أَنْ يَلْحَظْنَ ارْتِبَاكِي ، أَحْضَرْنَ لِي كُرْسِيًّا فَشَكَرْتُهُنَّ .
كَانَتْ حِصَّةً مِنْ أَرْوَعِ مَا شَاهَدْتُ مِنَ الْحِصَصِ فِي حَيَاتِي ، سُعِدْتُ جِدًّا بالْمُعَلِمَةِ التِي فَعَّلَتْ كُلَّ الصَّفِ بِشَكْلٍ مُدْهِشٍ ، و ثَقَافَةِ الطَّالِبَاتِ و فَصَاحَةِ الْكَلاَمِ، كَانَ دَرْسَ أَدَبٍ يَحْكِي عَنْ تَارِيخِ الأَنْدَلُسِ و حَيَاتِهَا الاجْتِمَاعِيَّةِ و السِّيَاسِيَّةِ ، حَقِيقَةً كَمُّ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي اسْتَرْجَعْتُهَا فِي تِلْكَ الْحِصَّةِ كَانَ هَائِلاً جِدًا، و كَافِيًا لأَنْ يَجْعَلُنِي أُقَدِمُ شُكْرًا حَارًّا لَهُنَّ جَمِيعًا ، تَمَنَّيْتُ أَنْ أُشَارِكْهُنَّ النِّقَاشَ و الْحَدِيثَ عَنْ عَهِدِ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ و المُوَحِّدِينَ و العَامِرِيِّينَ و قَصْرِ الْحَمْراءِ ، و مآثِرِنَا الأُخْرَى فِي الأَنْدَلُسِ ، بَدَتْ مَشَاعِرُ أَلَمِ الْمُعَلِمَةِ و انْفِعَالِهَا لأَجْلِ الْمَمْلَكَةِ الذَّاهِبَةِ وَاضِحًا ، و بالأَخَصِ و هِيَ تَتَحَدَّثُ عَنِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي حُوِّلَتْ إِلَى كَنَائِسَ فِيمَا بَعْد . أَحْضَرَتْ إِحْدَاهُنَّ صُورَةً فُوتُوغرَافِيَّةً لِبَعْضِ الآثَارِ الإسْلاَمِيَّةِ بالأَنْدَلُسِ ، مُرِّرَتْ عَلَى الطَّالِبَاتِ ، ثُمَّ قَوَّمَتْ الأُسْتَاذَةُ الدَّرْسَ بِصَحَائِفِ الأَعْمَالِ ، و رّنَّ جَرَسُ السَّادِسَةِ ، قُمْتُ فَشَكَرْتُ الأُسْتَاذَةَ و الطَّالِبَاتِ ، أَبْدَيْتُ إِعْجَابِي و سَعَادَتِي و رَجَوْتُ اللهَ أَنْ يَجْمَعَنِي بِهِنَّ عَلى خَيْرٍ السَّبْتَ الْقَادِمِ ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ و الفَرْحَةُ تَغْمِرُنِي ، فَثَمَّ كَنْزٌ سَأَسْتَفِيدُ مِنْهُ كَثِيرًا دُونَ شَكٍّ .
انْتظَرْتُ المُعَلِمَةَ حَتَّى عَادَتْ ، صَارَحْتُهَا بِأَنِّي مُعْجَبَةٌ جِدًّا بِمُسْتَوَى الطَّالِبَاتِ و نَشَاطِ حِصَّتِهَا ، ابْتَسَمَتْ و هِيَ تَقُولُ : إِنَّه أَكْثَرُ الْفُصُولِ تَمَيُّزَا ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ مَا سُأُحَضِّرُهُ لَهُنَّ الأُسْبُوعَ الْقَادِمَ ، قَالَتْ لِي : بِمَاذَا تُرِيدِينَ أَنْ تَبْدَئِي ؟ قُلْتَ لَهَا : كُلُّهُ وَاحِد عِنْدِي ، أَعْطِنِي حَسْبَ خُطَّتَكِ ، قَلَّبَتْ أَوْرَاقَ الْخُطَّةِ و اسْتَقَرَّتْ عَلى دَرْسِ النَّحْو ( الْمَفْعُولُ بِهِ ) اطَّلَعتُ عَلى الدَّرْسِ و نَقَلْتُ الْخُلاَصَةَ ، و أَمَدَّتْنِي بِدَلِيلِ الْمُعَلِّمِ ، و إِذَا بِزَمِيلاَتِي يَسْتَعْجِلْنَنِي للرَّحَيلِ فَسَائِقُ الْحَافِلَةِ يَنْتَظِرُ مُنْذُ مُدَّةٍ ، إِنَّهُ رَجُلٌ عَصَبِيُّ الْمِزَاجِ رَغْمَ طِيبَتِه !!
أَخْرَجْتُ هَاتِفِي لأَجِدَ عَدَدًا مِنَ الاتْصِالاَتِ و الرَّسَائِلَ مِنْ زَمِيلاَتٍ لِي يَطْلُبْنَ مِنِّي أَنْ أُخْبِرَ السَّائِقَ لِيَمُرَّ عَلَيْهِنَّ مِنْ مدْرَسَةِ مَارِيَّةِ ، أَخْبَرْتُهُ فَرَدَّ بِلَهْجَةٍ شَرْقِيَّةِ حَادَةٍ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَسْؤُولٍ عَنْهُنَّ و أنَّ زَمِيلَهُ سَلْمَانْ ذَهَبَ إِلَيْهِنَّ ، أَخْبَرْتُهُنَّ بِذَلِكَ إِلاَّ أَنَّهُنَّ أَعَدْنَ الاتْصَالَ بِي ؛ لأَنَّ عَمِي سَلْمَان مَرَّ مُبَكِرًا و أَخَذَ بَعْضَ الطَّالِبَاتِ و تَرَكَهُنَّ ، أَخْبَرْتُ السَّائِقَ بِمَا قُلْنَهُ لِي ، إِلاَّ أَنِّي تَلَقَّيْتُ مِنْهُ شُحْنَةً مِنَ الْكَلاَمِ الشَّدِيدِ ، جَعَلَنِي أَتَرَاجَعُ بِبرَاءَةِ الْمُتَعَجِّبِ بِقَوْلِي : ( نِزِينْ عَمِّي خَلاَص آسْفَة ) ، لَمْ يُتِحْ لِي فُرْصَةَ الْحَدِيثِ أَبَدًا ، يَبْدُو شَدِيدًا أَكْثَرَ مِنَ اللازِمِ ، حَاوَلْنَا تَهْدِئَةَ الْوَضْعِ بِسُؤَالِه عَنْ طَبِيعَةِ عَمَلِه ، كَانَ فَخُورًا بِتَسْعَ عَشَرَةَ سَنَةً قَضَاهَا فِي مِهْنَتِه ، ثُمَّ عَادَ لِيَقُولَ لِي : ( لَوْ خَبَّرْنِي دُكْتُورْكُم كِنْتْ أَمُرْ عَلِيهِن ) سَكَتُّ لِتَتَحَدَّثَ زَمِيلَتِي سَائِلَةً إِيَّاهُ : ( عَمِّي إِنْتَ تُعْرَف دُكْتُورْنَا ؟ ) فَسأَلَنَا عَنِ اسْمِهِ فَرَدَّتْ قَائِلَةً : ( طَيِّب واجد اسمه الدكتور .... ) بَدَتْ عَلَيْهِ مَلاَمِحُ الدَّهْشَةِ قَائِلاً ( ... رَاعِي سُرور؟! ) أَجَبْنَاهُ بالإِيجَابِ فَرَدَّ عَليْنَا بِصَلَةِ قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا لَمْ أَفْهَمْهَا كَثِيرًا و لَكِنَّهَا عَلى كُلِّ حَالٍ مِنْ طَرَفِ الأُمِّ فِيمَا أَحْسِب، لأَنَّهُ مِنَ مَكَانِ مَا فِي ولايَةِ المضيبي لَمْ أَحْفَظْ اسْمَهُ ، كُلُّ مَا أَذْكُرُهُ أَنَّهُ قَالَ : (قولن له يسلمْ عليكْ ... بن ... بن ... ال ... ، هو يعرفني ) . و هَكَذَا عُدْنَا إِلَى أُمِّنَا الْحَنُونِ ثَانِيَةً يَسْتَحِثُّنَا الأَمَلُ نَحْوَ الرُّقِيِّ و التَّمَيُّزِ .





الأَحَدُ السَّابِعُ مِنْ شَهْرِ صَفر لِعَامِ 1428 هــ المُوَافِقُ للخَامِسِ والْعِشْرِينَ مِنْ شبَاط/فِبْرَايِر لِعَامِ 2007 م

الأربعاء، 14 أبريل 2010

مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحُسْبَان!



مَرَّتْ إِجَازَةٌ طَوِيلَةٌ بَدَأَتْ مُنْذُ انْتِهَاءِ اخْتِبَارِ طُرُقِ التَّدْرِيسِ فِي يَوْمِ الأَرْبِعَاءِ السَّادِسِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ لِعَامِ 1427 هـ المُوَافِقُ السَّابِعُ و الْعِشْرُون مِنْ كَانُونِ الأَوَّلِ / دِيسَمْبَر لِعَامِ 2006م و حتَّى بِدَايَةِ الْفَصْلِ الدِّرَاسِيِّ الجَدِيدِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ الْخَامِسِ عَشَرَ مِن شَهْرِ مُحَرَّمٍ لِعَامِ 1428 هـ المُوَافِقِ لِلثَّالِثِ مِنْ شبَاط/فِبْرَايِر لِعَامِ 2007 م ، كُنْتُ قَدْ وَضَعْتُ جَدْوَلَ أعْمَالٍ كَثِيرَةٍ لاسْتِغْلاَلِ الإِجَازَةِ ، ضَمَّنْتُهُ مَثَلاً : الْتِحَاقِي بِدَوْرَةِ تَحْقِيقِ المَخْطُوطَاتِ و التَوْثِيقِ الَّتِي أَعْلَنَتْ عَنْهَا وَزَارَةُ التُّراثُ الْقَوْمِيِّ وَ الثَّقَافَةِ ، تَكْوِينَ فَرِيقٍ نِسَائِيٍّ تَابِعٍ لِنَادِي نَزْوَى ، و إِنْهَاءَ قِرَاءَةِ المَجْمُوعَاتِ الشِّعْرِيَةِ و الْقَصَصِيَّةِ الَّتِي أَصْدَرَتْهَا وَزَارَةُ التُرَاثِ الْقَوْمِيِّ و الثَّقَافِةِ مُؤَخَّرًا بِمُنَاسَبَةِ مَسْقَط عَاصِمَةِ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ ، و بَعْضَ الْمَشَارِيعِ الْقِرَائِيَّةِ الخَاصَةِ الَّتِي خَطَّطْتُهَا كتَهْيئِةٍ للفَصْلِ الْقَادِمِ ، و لمْ أَنْسَ بَرَامِجي التَّرْفِيهِيَّةَ طَبْعًا ، و كالْعَادَة تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لا تَشْتَهِي السُّفُنُ ، أَصَابَنِي إِحْبَاطٌ شَدِيدٌ لِمُجَرَّدِ أَنْ ظَهَرَتْ نَتَائِجُ الاخْتِبَارَاتِ ، دَخَلْتُ فِي دَوَّامَةِ الْكَآبَةِ الْمُعْتَادَةِ ، فَلَيْسَ مِنَ السَّهْلِ أَبَدًا أَنْ أَجْنِي ثَمَرَةً تَعِبْتُ فِي غَرْسِهَا و كَافَحْتُ لِأَجِدَهَا غَيْرَ صَالِحَةٍ للأَكْلِ !!
صَارَعْتُ الْوَقْتَ و حَاوَلْتُ أَنْ أُنْقِذَ نَفْسِي ، أَنْ أُثْبِتَ جَدَارَتِي ، كُلَّمَا شَعَرْتُ بِنَفْسِي تَهْتَزُّ أَسْرَعْتُ إِلَى مَكْتَبَةِ عَمِّي ، كُنْتُ أُخَطِّطُ بِصَمْتٍ للمُسْتَقْبَلِ الْقريبِ، فَكَرْتُ أَنْ أُحَوِّلَ إلَى كُلِّيَةِ الآدَابِ أَوْ أَنْ أَتْرُكَ الْجَامِعَةَ و أَقْتَدِي بالْعَقَّادِ فِي تَثْقِيفِ نَفْسِي ، لَمْ يُوَافِقْنِي أَحَدٌ فِي تَفْكِيرِيَ المَجْنُونِ- كَمَّا سَمَّاهُ الْبَعْضُ- اسْتَشَرْتُ أُسْتَاذَةً عَزِيزَةً فِيمَا أُفَكِرُ بِهِ ، كَانَتْ رُدُودُهَا مُقْنِعَةً و مُطَعَّمَةً بِشَيْءٍ مِنَ الأَمَلِ الَّذِي يَبْعَثُ الرُّوحَ مِنْ رِمْسِهَا المُظْلِمِ الْكَئِيبِ ، ذَاكَ كَانَ مَقْصِدِي مِنْ اسْتِشَارَتِهَا ، أَنْ أَسْتَمِدَّ بَعْضَ الْقُوَّةِ مِنْهَا .
يَا لِي مِنْ سَاذِجَةٍ بَسِيطَةِ التَّفْكِيرِ !! أُعَقِّدُ الأُمُورَ كَثِيرًا ، أُجْهِدُ نَفْسِي فِي أَشْيَاءَ تَافِهَةٍ لأَبْعَدِ الْحُدُودِ ، مَا الَّذِي جَعَلَنِي أَحُطُّ مِنْ تَفْكِيرِي وَعَزِيمَتِي ؟!! هّذَا مَا يَدُورُ فِي بَالِي عِنْدَمَا أُفَكِّرُ فِي طُمَوحَاتي الْمِسْكِينَةِ الَّتِي إِمَّا أَنْ أُمْسِكَ بِهَا حَدَّ الاخْتِنَاقِ أَوْ أَنْ أَطْرَحَهَا أَرْضًا دُونَ رَحْمَةٍ !!
أَخْبَرَنِي أَخِي أَنَّهُ يَنْوِي اصْطِحَابِي و أُخْتَيَّ الأَصْغَرِ مِنِّي و أُمِّي إِلَى الشَّارِقَةِ حَيْثٌ تُقِيمُ أُخْتِي ، قُلْتُ فِي نَفْسِي هِي فُرْصَةٌ لِتَغْيِيرِ الْجَوِ ، و زِيَارَةِ مَكْتَبَةِ الشَّارِقَةِ، أَعْجَبَتْنِي الْفِكْرَةُ ، قَضَيْنَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ جَمِيلَةٍ بَيْنَ مَتَاحِفِ الشَّارِقَةِ و مَرَاكِزِ التَّسَوقِ ، ثُمَّ عُدْنَا بِنَفْسٍ رَاغِبَةٍ فِي الْحَيَاةِ ، كَمْ كُنَّا بِحَاجَةٍ لِمِثْلِ ذَاكَ التَّغْييرِ ، لَيْتَ أُمِّي رَافَقَتْنَا أَيْضًا ؛ فَقَدْ كَانَتْ أَشَدَّ حَاجَةً مِنَا لِذَلِكَ و لَكِنَّ مَشِيئَةَ اللهِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ ، فَلَمْ يَكُنْ بِإمْكَانِهَا تَرْكُ زَوْجَةِ أَخِي الَّتِي وَضَعَتْ مَوْلُودَهَا الثَّانِي قَبْلَ يَوْمٍ مِنْ ذَهَابِنَا للشَّارِقَة ، كَانَ اللهُ جَارَهَا .
انْتَهَتِ الإِجَازَةُ سَرِيعًا ، و لَمْ أَقُمْ بِكُلِّ مَا خَطَطْتُّ لَهُ ، حَزِنْتُ بَعْضَ الشَّيْءِ إلاَّ أَنَّ سَعَادَتِي بالْعَوْدَةِ للجَامِعَةِ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، لَمْ أَكُنْ أَنْوِي أَنْ أَتخَرَّجَ هَذَا الْفَصْل كَمَا هُوَ فِي خُطَتِي الدِّرَاسِيَّةِ ، تَبَقَّتْ لِي أَرْبَعَ عَشَرَةَ سَاعةً مُعْتَمَدَةً فَقَطْ بالإضَافَةِ إِلَى ثَلاَثٍ أُخْرَيَاتٍ لِمَادَةِ الْقِيَاسِ النَّفْسِيِّ الَّتِي تَوّجَّبَ عَلَيَّ إِعَادَتُهَا بَعْدَ أَنْ حَصَلْتُ عَلَى تَقْدِيرٍ سَيِّءٍ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ ، وَضَعْتُ فِي ذِهْنِي أَنْ آخُذَ إِحْدَى عَشَرَةَ سَاعَةً فَقَطْ لأُحَسِّنَ مُعَدَّلِي ، و أُؤَخِّرَ مُقَرَّرَيْ الْقِيَاسِ النَّفْسِيِّ و الْمَنْهَجِ الْمَدْرَسِيِّ ، ثُمَّ عَلِمْتُ بِأَنَّهُمْ لاَ يَسْمَحُونَ بِإِعَادَةِ الْمَوَادِ فِي الصَّيْفِ ، فَسَارَعْتُ لِتَسْجِيلِ الْقيَاسِ ، أَخَذْتُ أَرْبَعَ عَشَرَةَ سَاعةً حَتَّى الآن و لَمْ يَبْقَ غَيْرُ الْمَنْهَجِ الْمَدْرَسِيِّ، لاَمَنِي الْجَمِيعُ لِتَفْكِيرِي بالْصَّيْفِ مِنْ أَجْلِ ثَلاَثِ سَاعَاتٍ فَقطْ، و كَعَادَتِي أَحْتَرِمُ آرَاءَ الآخَرِينَ كَثِيرًا ، فَقَرَّرْتُ أَن أَتَخَرَّجَ هَذَا الْفَصْلُ مَعَ طُلاَّبِ دُفْعَتِي ، و لَكِنَّ المُشْكِلَةَ أَنَّ المَنْهَجَ المَدْرَسِيَّ لَمْ يُعْرَضْ إِلاَّ لِطُلاَّبِ اللُغَةِ الإنْجْلِيزِيَّةِ ، حَاوَلْتُ مَعَ زَمِيلَةٍ لِي أَن نَجْمَعَ الْخِرِّيجِينَ الَّذِينَ يُعَانُونَ مِنَ الْمُشْكِلَةِ نَفسِهَا ، ثُمَّ قَدَّمْنَا طَلبًا لِفَتْحِ شُعْبَةٍ لَنَا ، كُنَّا عَدَدًا لاَ بَأسَ بِهِ ، و كَانَ أَمَلُنَا كَبِيرًا جِدًا فِي قَبُولِ طَلَبِنَا ، لاَ يُعْقَلُ أَنْ نُؤَخِّرَ لأَجْلِ ثَلاثِ سَاعَاتٍ فَقطْ ، انْتَهَى أُسْبُوعُ الْحَذْفِ و الإِضَافَةِ ، و لَمَّا تُضَافُ لَنَا المَادَةُ بَعْدُ ، انْتَظَرْنَا للأُسْبُوعِ الثَّانِي لَعَلَّ و عَسَى أَنْ نَرَى جَدِيدًا فِي جَدَاوِلِنَا ، و لا فَائِدَةَ !
إنَّهُ يَوْمُ الأَحَدِ الثَّالِثِ و الْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ مُحَرَّمٍ لِعَامِ 1428 هـ المُوَافِق الْحَادِي عَشَرَ مِنْ شبَاط / فِبْرَايِر لِعَامِ 2007 م ، لاَ يَبدُو لِي هَذا اليَوْمُ طَبِيعِيًّا ، فَلَمْ أَسْتَطْعِمْ جَمَالَ الصَّبَاحِ كَالْعَادَةِ ، وَ أَخْشَى مِنْ حَدَسِي الَّذِي لاَ أَذْكُرُ أَنَّهُ خَابَ يَوْمًا ، اسْتَغْفَرْتُ رَبِّي مِنْ تِلْكَ الأَفْكَارِ الَّتِي تُرَاوِدُنِي كُلَّ يَوْمِ أَحَدٍ ، فَقَدْ قَالَ لِي أَحَدُهُم بِأَنَّهُ يَوْمُ نَحْسِي بَعْدَ أنْ سَأَلَنِي عَنْ اسْمِي و اسْمِ وَالِدَتِي و تَاريخِ مِيلاَدِي !! و رُغْمَ عَدَمِ اقْتِنَاعِي بِمَا قَالَ إِلاَّ أَنَّ شَيْطَانَ كَلاَمِهِ لاَ يَزَالُ يَنُطُّ كُلَّ أَحَدٍ إِلَى مُخَيِّلَتِي ، يُحَاوِلُ سَلْبَ عَزِيمَتِي وَ لَكِن هَيْهَاتَ أَنْ أَسْمَحَ لَهُ .
شَرِبْتُ الشَّايَ بالْحَلِيبِ ذَلِكَ الصَّبَاح عَلَى غَيرِ الْعَادَةِ ، و تَوَجَّهْتُ إِلَى مُحَاضَرَةِ الأَدَبِ الْمُقَارَنِ الَّتِي يُفْتَرَضُ أَنْ تَبْدَأَ تَمَامَ السَّاعَةِ الثَّامِنَةِ ، لَمْ يَحْضُرْ الدُّكْتُور ... ذَلِكَ الْيَوْم ، لِذَلِكَ عَزَمْتُ التَّوَجُّهَ إِلَى كُلِّيَةِ التَّرْبِيَةِ لِمُرَاجَعَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الطَّيِّبِ ، إِنَّهُ أُسْتَاذِي قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، وَ لَمْ أَكُنْ أَرَاهُ إِلاَّ صَبُورًا مُتَعَاوِنًا مَعَنَا أَوْ بالأحْرَى مَعَ الْجَمِيعِ ، و لَيْسَ غَضَبُهُ إلاَّ لِحَقٍ لاَ يُلاَمُ عَلَيْهِ ، أُشْفِقُ عَلَيْهِ كَثِيرًا بَعْضَ الأَحْيَان فَمَشَاكِلُ طُلاَّبِ التَّرْبِيَةِ لَيْسَتْ قَلِيلَةً ، و عَمَلُهُ يَتَطَلَّبُ مِنْهُ أَن يَسْتَمِعَ للجَمِيعِ - أَعَانَهُ اللهُ - لَوْ كُنْتُ مَكَانَهُ رُبَّمَا قَدَّمْتُ اسْتِقَالَتِي ، مَا أَنْ وَصَلْتُ وَ زَمِيلَتِي حَتَّى ابْتَسَمَ السِّكرْتير قَائلاً : مِن أَجْلِ المَنْهَجِ أَيضًا ؟
أَجَابَتْ إحْدَانَا : نَعَمْ . هَلْ يُمْكِنْ أَن نُكَلِّمَ الدُّكْتُور ؟!
أَجَابَ مُبَاشَرةً : تَفَضَّلا
طَرَقْنَا الْبَابَ اسْتِئْذَانًا ، لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْنَا ، مُتَفَاعِلاً مَعَ حَاسُوبِه هَمَسْتُ فِي أُذُنِ زَمِيلَتِي : يَبْدُو مَشْغُولا ! طَرَقْتُ ثَانِيَةً و دَخَلْنَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، الْتَفَتَ و رَدَّ السَّلامَ بابتِسَامَةٍ لَطِيفَةٍ مَلِيئَةٍ بِالتَّعَبْ و الْجِدِّيَة ، لاَ بُدَّ أَنَّهُ يَعْلَمُ سَلَفًا لِمَاذَا نُرَاجِعُهُ ، فَاتَحْنَاهُ فِي الْمَوْضُوعِ مُبَاشَرَةً ؛ فَلاَ وَقْتَ للْمُقَدَمَاتِ الطَّوِيلَةِ ؛ لِنَعْرِفَ السَّبَبَ الَّذِي مَنَعَ فَتْحُ شُعْبَةٍ جَدِيدَةٍ ، أَخْبَرَنَا بِأَنَّ جَدَاوِلَ مُقَدِّمِي الطَّلَبِ مُتَضَارِبَةٌ ، و لاَ وَقْتَ مُتَّفَقٌ بَينَهُم يُغَطِّي سَاعَاتِ المَنْهَجِ الْمَدْرَسِيِّ الثَّلاثِ ، تَغَيَّرَتْ مَلاَمِحُ وَجْهَيْنَا ، كَانَ ذَلِكَ وَاضِحًا جِدًا فِي وَجْهِ زَمِيلَتِي ، تَتَرْجَمَ ذَلِكَ فِي عَدَدٍ مِنَ الْحُلُولِ الّتِي لَمْ تَلْقَ اسْتِحْسَانًا مِنْ قِبَلِ الدُّكْتُورِ ، أَخْبَرْنَاهُ بِأَنَّهُمْ تَأَخَّرُوا فِي إِخْبَارِنَا بِذَلِكَ ، و أَنَّنَا نَرْغَبُ فِي حَذْفِ الْقِيَاسِ عَلَى الأَقَلِ لِنُخَفِّفَ مِنْ ضَغْطِ هَذَا الْفَصْلِ الدِّرَاسِيِ و نَأَخُذَهُ فِي فَصْلِ الصَّيْفِ مَعَ الْمَنْهَجِ ، فَقَالَ لَنَا : لاَ بَأْسَ و لَكِنِّي لاَ أَنْصَحُ بِذَلِكَ؛ لأَنَّهُم قَدْ لاَ يَسْمَحُونَ لَكُمَا بإعَادَةِ الْمَادَةِ فِي الصَّيْفِ ، اسْتَسْلَمَتْ زَمِيلَتِي بِسُرْعَةٍ ؛ لأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُقْتَنِعَةً بِحَذْفِ الْقِيَاسِ بِحُجَّةِ أَنَّ الدُّكُتُور الَّذِي سَجَلْنَا مَعَهُ مُمْتَازٌ و لَن نُضَيِّعَ فُرْصَةَ الدِّرَاسَةِ مَعَهُ ، لِذَلِكَ اسْتَأذَنَتْ و خَرَجَتْ بَعْدَ أَنْ طَلَبْتُ مِنَ الدُّكْتُور ...أَن يَتَأَكَدَ لِي مِن عَمَادَةِ الْقَبُولِ و التَّسْجِيلِ ، قِيلَ لَهُ إِنَّ المَسْؤُولَةَ عَنْ ذَلِكَ مَشْغُولَةٌ و أَن يُعَاوِدُ الاتْصَالَ مَرَّةً أُخْرَى ، طَلَبَ مِنِّي مُرَاجَعَتَهُ فِي وَقْتٍ لاَحِقٍ ، شَكَرْتُهُ و خَرَجْتُ عَلَى غَيْرِ نِيَّةٍ للْعَودَةِ ، فَلاَ أَظُنُّهُمْ سَيُوَافِقُونَ لِي.
كُنْتُ كَثِيرَةَ الاسْتِيَاءِ ذَلِكَ الْيَوْم ، أُحَاوِلُ اصْطِنَاعَ البَسَمَاتِ ، و أَنَا أَتَجَوَّلُ فِي أَقْسَامِ التَّرْبِيَةِ ، لَمْ يَكُنْ لِي وِجْهَةٌ مُحَدَّدَةٌ ، وَجَدْتُ نَفْسِي أَدْخُلُ قِسْمَ الْمَنَاهِجِ وَطُرُقِ التَّدْرِيسِ ، قَابَلَتْنِي أُسْتَاذَتِي النَّشِيطَة ... قَائِلَةً : أَهْلاً بِكِ شَاعِرَتَنَا ، رفَعْتُ عَيْنِيَ بِعَيْنِهَا لأَرُدَّ التَّحِيَّةَ قَائِلَةً : أَهْلاً بِكِ أُسْتَاذَة دُونَ أَنْ أَتَوَقَّفَ ؛ خَوْفًا مِنْ تَقْرَأَ عَيْنَيَّ الفَاضِحَةَ ، و لكِنْ هَيْهَاتْ ، فَلَسْتُ أَنَا مَنْ يَمْتَلِكُ مَهَارَةَ الْهَرَبِ ، فَسُرْعَانَ مَا تَغَيَّرَتْ مَلاَمِحُ وَجْهِهَا إِلَى غَرَابَةٍ سَائِلَةٍ : هَلْ أَنْتِ عَلَى مَا يُرَام يَا رُقَيَّة ؟! أَمْسَكْتُ دَمْعَتَيَّ وَمَضَيْتُ مُتَجَاهِلَةً الأَمْرَ، قُلْتُ لَهَا و قَد أَدَرْتُ وَجْهِي؛ خَشْيَةَ أَنْ تَرَانِي : نَعَم أُسْتَاذَة لاَ تَقْلَقِي .
أَخَذْتُ نَفَسًا عَمِيقًا ، لأَسْتَعِيدَ شَيْئًا مِنْ قُوَّتِي ؛ فَقَدْ كُنْتُ أَنْوِي أَنْ أُسَلِّمَ عَلَى الدُّكْتُور ... مُشْرِفِ التَّرْبِيَةِ الْعَمَلِيَّةِ و أَسْأَلُهُ عَنِ الْمَدْرَسَةِ الَّتِي سَوْفَ أَتَدَرَّبُ فِيهَا ؛ فَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّ زَمِيلاَتِي قَدْ طَلَبْنَ تَغْييرِ الْمَدْرَسَة لأَسْبَابٍ لَمْ أَكُنْ مُقْتَنِعَةً بِهَا أَبَدًا ، رَجَوْتُ أَنْ يُرْفَضَ طَلَبَهُنَّ ؛ لارْتِبَاطِي بِمَدْرَسَةِ بِدْبِدْ ؛ فَقَدْ تَمَنَّيْتُ أَنْ أَحْضُرَ تَقْييمَ المَسْرَحِ و أُتَابِعُ أَدَاءَ الطَّالِبَاتِ بِنَفْسِي ، كَمَا أَنِّي كُنْتُ قَدْ قَضَيْتُ جُزْءًا غَيْرَ يَسِيرٍ مِنْ إِجَازَتِي ، فِي قِرَاءَةِ كُتُبِ تَعْلِيمِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لِغَيْرِ النَّاطِقِينَ بِهَا؛ لأضَعَ خُطَّةً لِتَعْلِيمِ طَالِبَتِي الْبَاكِسْتَانِيَّة ، كُلُّ أَمَلِي أَنْ لاَ يَضِيعَ جُهْدِي هَبَاءً ، ثُمَّ أَنِّي رُغْمَ حُبِّي لِمَدْرَسَةِ عَائِشَةِ أُمِّ الْمُؤْمِنين لِكَفَاءَةِ مُعَلِمَاتِهَا و إِدَارَتِهَا المُتَعَاوِنَةِ إِلاَ أَنِي لَمْ أَكُنْ أُحَبِّذُ أَنْ تَكُونَ بَدِيلاً ؛ لِكَثْرَةِ مَعَارِفِي هُنَاكَ مِنَ الْمُعَلِّمَاتِ ، فَأَنَا أُفَضِّلُ التَّعَاوُنَ مَعَ مَنْ لاَ يَعْرِفُنِي ؛ حَتَّى أَسْتَطِيعَ أَنْ أَنْتَقِي أسَالِيبَ التَدْرِيسِ بِحُرِّيَةٍ وَ أَجِدَ احْتِرَامَ الآخَرِ و تَقْدِيرَهُ الصَّحِيحَ دُونَ مُجَامَلاَتٍ سَخِيفَةٍ لاَ طَعْمَ لَهَا .
كَانَ مَكْتَبُ الدُّكْتُور مَفْتُوحًا ، دَخَلْتُ و سَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، شَدَّنِي تَغْييرُهُ لِتَرْتِيبِ مَكْتَبِهِ ، بَدَا لِي أَفْضَلُ مِنَ السَّابِقِ ، سَأَلْتُهُ عَنِ الْمَدْرَسَةِ إنْ غُيِّرَتْ ، فَأَجَابَنِي بالإيجَاب و عَلَى وَجْهِهِ ابْتِسَامَةٌ بَرِيئَةٌ كَانَتْ كَخِنْجَرٍ قَتَلَ بِهِ كُلَّ آمَالِي ، لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنِّنِي سأَحْزَنْ لِذَلِكَ ، فَهْوَ لاَ يَدْرِي أَنِّي كُنْتُ مُعَارِضَةً للْفِكْرَة ، طَلَبْتُ مِنْهُ أَنْ يَتَأَكَّدَ مِنَ الْقَوَائِم فَهْلْ يُعْقَلُ أَنْ تُغَيَّرَ مَدْرَسَةٌ بِهَذِهِ السُّهُولَة ! قَلَّبَ الْقَوَائِمَ لِيُؤَكِّدَ لِي ، أنَّهَا غُيِّرَت ، فالثَّانَوِيَّة فِي عَائِشَة أُمُّ الْمٌؤْمِنين و الإعْدَادِية فِي أَحْدَى مَدَارِسِ مَسْقَط ، انْفَعَلْتُ قَلِيلاً وأنَا أَسْأَلُه عَنِ المُشْرِفِ إِنْ كَانَ قَدْ غُيِّرَ هُوَ الآخَر ، فأَجَابَنِي بإيمَاءَةٍ تَدُلُّ أَنَّهُ المُشْرُفُ قَائِلاً : إِنْ كُنْتِ لاَ تُرِيدِينَنِي فَبِإمْكَانِي نَقْلُكِ و الْبَدِيلُ مَوْجُودُ ، قُلْتُ لَهُ بِلَهْجَةٍ سَاخِرَة ، جَمِيلٌ جِدَّا أَنَّهُنَّ لَمْ يُغَيِّرْنَ المُشْرِفَ أَيْضًا ، كُنْتُ غَاضِبَةً مِنْهُنَّ ؛ لأَنَّهُنَ لَمْ يُرَاعِينَ ارْتِبَاطَاتِي ، و رُغْمَ ذَلِكَ كُنْتُ مُؤْمِنَةً بِمَبْدَأ ( يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ ) ، فَلَيْسَ مِنَ الأَخْلاَقِيَّاتِ أَنْ أُعَارِضَ مَا اتَّفَقْنَ عَلَيْهِ رُغْمَ أَلَمِي ، أَشْفَقَ عَلَيَّ الدُّكْتُور و هَوَ يَرَانِي أُصَارِعُ بُكَاءً فِي دَاخَلِي ، حَاوَلَ أَنْ يُهَوِّنَ الأَمْرَ عَلَيَّ ، و لَكِنَّ انْفِعَالِي كَانَ حَادًا ، فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلاَّ أَنْ قَالَ : رُقَيَّة اذْهَبِي إِلَى مَحَلِّ العَصَائِرِ ثُمَّ عُودِي إِلَيَّ ، نَظَرْتُ إلَيْهِ و خَرَجْتُ عَلَى وَجْهَيْ رَحْمَة وَ شَرِيفَة سَأَلَتَانِي مُبَاشَرَة : مَا بِكِ ؟!! أَجَبْتُهُمَا بِلَهْجَةٍ حَادَةٍ : لاَ أَعْرِفُ ، كُنْتُ بِحَاجَة لِبَكَاءٍ شَدِيدٍ أُفَرِّغُ فِيهِ كُلَّ مَا بِدَاخَلِي ؛ حَتَّى لاَ أَحْمِلَ فِي قَلْبِي مَا يُتْعِبُهُ أَكْثَرَ ، بَحَثْتُ عَنْ مَكَانٍ مُنَاسِبٍ ، لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّهْلِ أَنْ أَعْثُرَ عَلَيْهِ ، فكَّرْتُ أَنْ أَتَّصِلَ بصَدِيقَةٍ عَزِيزَةٍ عَلَّهَا تُخَفِّفُ عَنِّي و تُسَاعِدُنِي ، ثُمَّ قُلْتُ فِي نَفْسِي : لِمَاذَا أُزْعِجُ الآخَرِينَ بِأَحْزَانِي الَّتِي لاَ تَنْتَهِي ؟!
مَضَيْتُ بَلاَ وِجْهَةٍ ، سُبْحَانَ الله ! إِنَّهَا صَدِيقَتِي الَّتِي كُنْتُ أُفَكِّرُ فِيهَا قَبْلَ قَلِيلٍ مَعَ كَوْكَبَتِهَا الْمُعْتَادَة ، دَمَعَتْ عَيْنَايَ فَمَسَحْتُ الدَّمْعَ مُبَاشَرَةً ،لَكِنَّهَا لَمَحَتْنِي ، رَيَّاء الرَّوَاحِية فَتَاةٌ رَائِعَةٌ ، تَتَعَامَلُ بِعَفَوِيَّةٍ بَرِيئَةٍ مَعَ الآخَرِينَ ، تَخْلُقُ الْفُكَاهَةَ ، لَطِيفَةُ الابْتِسَامَةِ ، كَثِيرَةُ الاعْتِزَازِ بِمَبَادِئهَا ، مُتَمَسِّكَةٌ بِدِينِهَا ، رُغْمَ اخْتِلاَفِي مَعَهَا أَحْيَانًا إِلاَّ أَنَّهَا أَقْرَبُهُنَّ إِلَى نَفْسِي ، اسْتَأذَنَتْ زِمِيلاتِهَا ، و جَاءَتْ إِلَيَّ بِرُوحِهَا الْمَرِحَة تَسْأَلُنِي : مَا بِكِ ؟! مَنْ ضَرَبَكِ ؟! و تُجِيبُ عَنْ نَفْسِهَا : أَكِيد الدُّكْتُور فُلاَن! جَعَلَتْنِي أَبْتَسِمْ ، مِسْكِينَة رَيَّاء أَخَذَتْ مَوْقِفًا مِنَ ذَلِكَ الدُّكْتور بَعْدَ أَنْ مَزَّقَ وَرَقَةً فِي وَجْهِهَا فِي لَحْظَةِ غَضَبٍ ، قُلْتُ لَهَا: لَيْسَ هَذَا وَقْتًا للمِزَاحِ ، أَخَذَتْنِي إِلَى مُؤَسَسَة الإثْنِين ( كَمَا يَدْعُوهَا الْجَمِيعِ فِي الْجَامِعَة و الْحَقِيقَةُ أَنِّي لاَ أَعْلَمُ سِرَّ تِلْكَ التَّسْمِيَةِ الْغَرِيبَة! )، رُبَّما كَانَتْ جَائِعَةً أَوْ رُبَّمَا ادَّعَتْ الْجُوعَ لِأَجْلِي لكِنِّي لَمْ أَكُنْ أَرْغبُ فِي الأَكْلِ كُلُّ مَا كُنْتُ أَرْغَبُ فِيهِ هُوَ الْبُكَاء، اكْتَفَيْتُ بالنَّظَرِ إِلَى أَحْذِيَةِ مُرْتَادِي مُؤَسَّسَةِ الإثْنَيْنِ ، كَانَتْ كَثِيرَةً ذَلِكَ الْيَوْمَ ؛ تِلْكَ عَادَةٌ لَمْ أَسْتَطِعْ الْفِكَاكَ مِنْهَا ؛ فَأَنَا أَقْرَأُ شَخْصِيَّاتِ الْغُرَبَاءِ مَنْ حَوْلي عَنْ طَرِيقِ الأَحْذِيَة، رُبَّمَا تَكُونُ سَذَاجَةً مِنِّي ، لَكِنِّي أَجِدُ مُتْعَةً فِي ذَلِك ، و بالأَخَصِّ فِي الأَمَاكِنِ الْعَامَةِ .

خَرَجْنَا لِنَجْلِسَ فِي سُلَّمٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمُؤَسَّسَةِ ، تَنَاوَلَتْ فَطِيرَتَهَا و أَنَا أَسْرِدُ لَهَا مَا حَدَثَ ذَلِك َ الْيَومَ بانْفِعَالٍ ؛ لأَنِي لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ تَحْدِيدًا سَببَ رَغْبَتِي فِي الْبُكَاءِ ، اقْتَرَبَ مَوْعِدُ مُحَاضَرَتِهَا ، فَقَرَّرْتُ الْعَوْدَةَ إِلَى السَّكَنِ كَيْ أُرِيحَ نَفْسِي قَليلاً فَلاَ تَزَالُ السَّاعَةُ الْعَاشِرَةُ صَبَاحًا، و لاَ مُحَاضَرَات قَبْلَ الرَّابِعَةِ و الرُّبْعِ عَصْرًا ، وَصَلْتُ و نَظَرْتُ إِلَى سَاعَتِي كَانَتْ تُشِيرُ إِلَى الْعَاشِرَة و الثُّلْثِ تَقْرِيبًا ، فَتَحْتُ غُرْفَتِي لأَكْتَشِفَ بِأَنِّي نَسِيتُ تَرْتِيبَ سَرِيرِي ، و قَدْ كُنْتُ حَرِيصَةً عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَوَّلَ عَمَلٍ صَبَاحِيٍّ أَقُومُ بِهِ تَمَسُّكًا بِنَصِيحَةِ الدُّكْتُور طَارِق سِوِيدَان الَّتِي سَمِعْتُهَا مُنْذُ سَنَةٍ أَو سَنَتَيْنِ فِي مُحَاضَرَةٍ لَهُ فِي جَامِعَةِ السُّلْطَانِ قَابُوسِ ، أَذْكُرُ أَنَّهُ كَانَ يَقُوُلُ : لِكَيْ نَحْظَى بِيَومٍ مُنَظَّمٍ ، عَلَيْنَا أنْ نُرَتِب سَرِيرَ الصَّبَاحِ قَبْلَ كُلَّ شَيءٍ ، هَلْ تُرَاهُ ذَلِكَ سَبَبُ عَدَمِ انْتِظَامِ يَوْمِي ! أُحِبُ اتِّبَاعَ الْبَرْمَجَةِ الْعَصَبِيَّة ، و أُحَاوِلُ الاقْتِنَاعَ بِهَا لَكِنَّهَا تَخُونُنِي فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ .

فَتَحْتُ جِهَازَ الحَاسُوبِ عَلِّي أَجِدُ فِيهِ مَا يُخَفِّفُ عَنِّي ، وَجَدْتُنِي أُضِيفُ أَبْيَاتًا عَلَى خَرْبَشَاتٍ أَودَعْتُهَا فِي مَلَفٍ خَاصٍ بِأَشْعَارِي أَسْمَيْتُهُ ( للنَزْفِ بَقِيَّة ) قُلْتُ فِيهَا :
هَاجَتْ قَرِيحَةُ أَدْمُعِي وَمِدَادِي

لَمَّا تَلَبَّدَ بِالْهُمُومِ فُؤَادِي

الزَّهْرُ يَحْتَضِرُ الغِيَابَ عَبِيرُهُ

والْقَلْبُ يَشْكُو مُوثقَ الأَصْفَادِ

عَبَثَتْ بِأَحْلاَمِي ظِلالُ أَحِبَّتِي

بَلْ حَطَّمَتْهَا ثَوْرَةُ الأَمْجَادِ

أَنَا مَنْ رَسَمْتُ الْمُسْتَحِيلَ بِرِيشَتِي

وَرَسَمْتُ فِي دَرْبِي خَيَالَ جِهَادِي

وَظَنَنْتُ أَنِّي أَسْتَطِيعُ تَحَدِّيًا

فَوَقَفْتُ فِي دَوَّامَةِ الأَضْدَادِ

حَتَّى أَطَاحَتْ بِالأَمَانِي مَوْجَةٌ

وَ بَقِيتُ أَرْجُو رَحْمَةَ الْجَلاَدِ

وَطَفَقْتُ أَبْحَثُ عَنْ شَقَائِي حَالِمًا

فَوَجَدْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِعِنَادِي


أَغْلَقْتُ جِهَازِي ، و قَرَّرْتُ أَنْ أَنَامَ قَلِيلاً ، رَأَيْتُ أَحْلامًا غَرِيبَةً و مُثِيرَةً عَادَتْ بِي إِلَى زَمَنٍ بَعِيدٍ ، إِلَى أَيَّامِ الْحُرُوبِ الصِّلِيبِيَّة ، و عُصُورِ الْبَشَوَاتِ فِي الشَّامِ ، اسْتَيْقَظْتُ و قَدْ كُنْتُ مُقْتَنِعَةً ، بأَنِّي قَادِرَةٌ عَلَى إثْباتِ ذَاتِي فِي أَيِّ مَدْرَسَةٍ أَذْهَبُ إِلَيْهَا ، و أَنَّ للصَيْفِ مُتْعَةً خَاصَّةً، و لاَ شَيْءَ فِي الْحَيَاةِ يَسْتَحِقُّ أَن أَحْزَنَ عَلَيْهِ أَبَدًا ، لِذَلِكَ يَجَبُ أَنْ أَعِيشَ سَعِيدَةً ، و أَنْ أَرْسُمَ الابْتِسَامَةَ أَيْنَمَا ذَهبْتُ !







الأَحَد الْثَلاَثُون مِنْ شَهْرِ مُحَرَّمٍ لِعَامِ 1428 هـ الْمُوافِقُ الثَّامِنُ عَشَرَ شبَاط/ فِبْرَايِر لِعَامِ 2007 م

الاثنين، 12 أبريل 2010

يَومٌ أَخِيرٌ مُبَاركُ



العَاشِرُ مِنْ شهْرِ ذِي الْقِعْدَةِ لِعَام 1427هـ المُوَافِق الثَّالِثُ مِنْ كَانُونِ الأوَّلِ/دِيسَمْبَرْ لِعامِ 2006م ، ذلِكَ اليَوْمُ الذِي أَصْبَحَنَا بِبَرَكَاتِ السَّمَاءِ الإلــــــهِيَّةِ، كَانَ فَجْرًا رَائِعًا يَفُوقُ الخَيَالَ رُغْمَ عُتْمَتِهِ البَدِيعَة ، انْشَرَحَ صَدْرِي بِتِلْكَ الأجْوَاءِ الرَّبَّانِيَّة السَّاحِرَةِ ، الأَرْضُ تَفِيضُ جَمَالاٍ و السَّمَاءُ خَلْفَ الغُيُومِ تَسْتَرِقُ النَّظَرَ إِلَيهَا ، تَنَفَسْتُ الصًّعْداءَ و انْطَلَقْتُ لِغَايَتِي تأَخَّرَ سَائِقُ الْحَافِلَةِ عَلَى غَيْرِ عَادَتِهِ ، انْتَظَرْنَاهُ حَتَّى جَاءَ ؛ لأَنَ تَأَخُّرَهُ وَارِدٌ ذَلِكَ اليَومَ بِسَبَبِ الأوْدِيَةِ ، رَكِبْنَا الْحَافِلَةَ بِسَعَادةٍ و سَائِقُهَا يَقُولُ لَنَا قَدْ نَعُودُ بِسَبَبِ الأَوْدِيَةِ ، و الظَّرِيفُ فِي ذَلكِ اليَوْمَ أَنَّا كُنَّا ثـَلاَثـَةُ تَخَصُّصَاتٍ ( اللغَة العَرَبِيَّة ، العُلُوم و الرِّيَاضِيَّات ، التَّرْبِيَةِ الرِّيَاضِيَّة ) و كَانَ السَّائِقُ يَقُولُ لِبَنَاتِ التَّرْبِيَّةِ الرِّيَاضِيَّةِ : اسْتَمْتِعْنَ مَعَ الدُّكُتُورَة هَذَا اليَوْمَ ، فَقَدْ اتْصَلَتْ بِي لَأَمُرَّ عَلَيْهَا . غَضِبْنَ و زَمْجَرْنَ و طَلَبْنَ مِنْهُ تَنَاسِيهَا إذْ كَانَتْ المَرَّةُ السَّادِسَةُ خِلاَلَ الفَصْلِ التِي تَزُورُهُنَّ فِيهَا ، و اليَومُ الأَخِيرُ عَادَةً يَوْمَ وَدَاعٍ لِلطَالِبَاتِ و مُرَاجَعَةٍ للِدُّرُوسِ السَّابِقَةِ ، و لَكِنَّه رَفَضَ طَبْعًا لإخْلاَصِه لِعَمَلِهِ و المَسْؤُولِيَّةِ المُلْقَاةِ عَلَى عَاتِقِه ، مَرَرْنَا عَلَيْهَا و اعتَذَرَ السَّائِقُ لِتأَخُّرِهِ فَقالتْ: ( مَعَلِشْ يَا عَمِي سَلْمَانْ دَة انْتَة الوَاحِدْ يِضَبَطْ عَلِيكْ سَاعْتُه مَا انا عَارْفَهْ ، بَسِ ياللا عَشَانْ مَا نِتْأَخَرْشِ) و رَضينَ بالأمْرِ الواقِعِ!!

كَانَ أَوَّلُ الأَوْدِيَةِ ذَلِكَ الذِي يَجْرِيِ أَمَامَ الجَامِعَةِ ( أَظُنُّهُ وَادِي الخُوض) ، اجْتَزْنَاهُ و نَحْنُ مُسْتَمْتِعُونَ بِصَوتِ خَرِيرِ المَاءِ ، تِلْكَ السِيمفونية الرَّبَانِيَّة التِي تُرِيحُ النَّفْسَ و تُبْهِجُ القَلْبَ ، وَصَلْنَا المَدرَسَةَ ، لَمْ تَكُنْ المُدِيرةُ هُنَاكَ ، سأَلْتُ عَنْهَا فَقِيلَ لِي أَنَّهَا فِي دَوْرَةٍ أَو ورشَة عَمَلٍ ، مَضَى يَوْمِي كَالمُعْتَادِ ، عَمَلٌ فَوْقَ عَمَلٍ أَخَذْتُ حِصَّتَينِ إِضَافِيَتَينِ لأَجْلِسَ مَعَ طَالِبَاتِي وَأَسْألهُنَّ عَنْ حِصَصِي مَا أَعْجَبَهُنَّ وَمَا لَم يُعْجِبْهُنَّ ، لأَسْتَطِيعَ تَقْوِيمَ أَدَائِي ، و كُنْتُ قَدْ طَلَبْتُ مِنْهُنَّ كِتَابَةَ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ ، جَمَعْتُ مَا كَتَبْنَ و وَزَّعْتُ عَلْيهِنَّ مُلْصَقَاتُ الوُرودِ التِي وَعَدْتُهُنَ بِهِا إنْ ذَاكَرْنَ لِلْمُرَاجَعَةِ ، و َجَدْتُ نَتِيجَةً طَيِّبَةً مِنَ الجَمِيعِ ، و كُنْتُ قَدْ أَخَذْتُ الاحْتِيَاطَ لِذلِكَ أَجَابَ الجَمِيعُ و عُزِّزَ الجَمِيعُ ، الشَيْءُ الوَحِيدُ الذِي آلَمَنِي عِنْدَمَا سَأَلْتُ عَنِ الطَّالِبَةِ البَاكِسْتَانِيَّةِ ( سَنِيَّة) فَقِيلَ لِي بِأَنَّهَا غَائِبَةٌ ، و كُنْتُ قَدْ قَرَّرْتُ أَنْ أَقُومَ بِبرْنَامَجٍ تَعْلِيمِيٍّ خَاصٍ بِهَا فِي الحِصَّة الصفْريَة مُنْذُ بِدَايَة الفَصْلِ القَادمِ وأَرَدْتُ تَحْدِيدَ مُسْتَوَاهَا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لأَضَعَ خطَّةً أَعْرِضُهَا عَلى المُدِيرَةِ مَعَ بِدَايَةِ الفَصْلِ القَادِمِ ، فَقَدْ نَدِمْتُ كَثِيرًا ؛ لِعَدَمِ تَفْكِيرِي بالأَمْرِ إلاَّ مُتأَخِّرًا ، وَعَسَى أَن أُحَقِقَ مَا أَهِدِفُ إلَيهِ الفَصْلُ الْقَادِم .

أَنارَ (مَدْرَسَة ولاَيَةُ بِدْبِدْ ) ذَلِكَ اليَومْ زَمِيلاَتِي المُتَدَرِّبَات فِي (مَدْرَسَةِ زَيْنَبُ بِنْتُ قَيْسٍ) و ( مَدْرَسَةِ سُرُور ) ، بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَتْ هَذِه المَدَارِسُ أَبْوَابَهَا ، حَيْثُ حَضَرْنَ مَعَنَا حِصَصَ مُشَاهَدَةٍ ، و بَعْدَ أنِ انْتَهَتْ الحِصَّةُ السَّادِسَةُ ، بَحَثْتُ عَنْ أُسْتَاذَتِي المُتَعَاوِنَةِ فَمَا وَجَدْتُهَا ، سَلَّمْتُ عَلَى بَاقِي المُعَلِّمَاتِ ، شَكَرْتُهُنَّ و طَلَبْتُ مِنْهُنّ الدُعَاءَ لِي ، ثُمَّ مَضَيْتُ .



طَلَبْنَا مِنْ سَائقِ الْحَافِلَةِ أَنْ يَذْهَبَ بِنَا إِلَى أَحدِ الأوْدِيَةِ القَرِيبَةِ ، وَافَقَ لِطِيبَتِه المُعْتَادَةِ ، الْتَقَطْنَا صُوَرًا تِذْكَارِيَّةً جَمَاعِيَّةً ، كُنْتُ سَعِيدَةً رُغْمَ حُزْنِي عَلى فِرَاقِ المَدْرَسَةِ و الطَّالِبَاتِ ، وَرُغْمَ أَوْضَاعِي الصِّحِيَة التِي أُعَانِي مِنْهَا مُنْذُ أَسَابِيعَ ، إلَّا أَنَّ اللهَ قَيَّضَ لِي مَا يُخَفِّفُ عَنِّي بِحِكْمَتِهِ الإلـــــــــهية ..





العَاشِرُ مِنْ شهْرِ ذِي الْقِعْدَةِ لِعَام 1427هـ المُوَافِق الثَّالِثُ مِنْ كَانُونِ الأوَّلِ/دِيسَمْبَرْ لِعامِ 2006م

السبت، 10 أبريل 2010

فِي الجَانِبِ الأَيْسَرِ مِنَ الذَّاكِرَةِ

أَمْضَيْتُ اللَيْلَةَ الثّانِيةَ عَشرةَ مِن شَهْرِ شَوَّالٍ لعام 1427هـ المُوَافِق الخَامِس من تِشْرِينَ الثَّانِي / نُوفَمْبَر لِعَام 2006 م بَحْثًا عَنْ خُيُوطِ الفَجْرِ ، وَمَا أَنْ أمْسَكْتُهَا حَتَّى تَوَضَّأْتُ وَصَليْتُ ، وَدَعَوتُ اللَّهَ أَنْ يَشْرَحَ لِي صَدْرِي ، و يُيَسِرَ لِي أمْرِي ، وَيَحْلُلَ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي لِيَفْقَهَ قَوْلِي ، نَظَرْتُ إلِى المِرْآةِ نَظْرَةً خَاطِفَةً ، مَلاَمِحُ الحُزْنِ مُخَيِّمَةٌ فِيهَا ، أحْتَاجُ لِقِنَاعِي المُبْتَسِمِ ؛ فَطَالِبَاتِي يُلاَحِظْنَ كُلَّ شَيءٍ ، لَبسْتُ قِنَاعِي البَاسِمَ وَ خرَجْتُ إِلَى طَرِيقِي ، تَصَفَّحْتُ تَسْجِيلاَتِ هَاتِفِي ، عَلِّي أَسْتَمِعُ شَيْئًا يُغَيِّرُ حَالِي ، وَجَدْتُنِي قَدْ وَصَلْتُ إِلى مَوْقِفِ الْحَافِلةِ و هَاتِفِي مَا زَالَ يُرَدِدُ قَصِـيدَتَهُ الشَّعْبِيَّةُ ( ما احلى العطر و نفحة العود ...الخ) .
جَاءَتِ الحَافِلَةُ فِي مَوْعِدِهَا ، اخْتَرْتُ لِي مَكَانًا قُرْبَ نَافِذَةٍ بعِيدَةٍ ، جَلَسَتْ إحْداهُنَّ جَانِبي ، و بِابْتِسامَةٍ جَمِيلَةٍ تَسْأَلُنِي : مَا بِكِ الْيَومَ عَلَى غَيْرِ عَادَتكِ ؟!
لاَ شَيءَ .. رُبَمَا أَثَرُ السَّهَرِ فَقَطْ .
حَسَنًا . هَلْ يُمْكِنُكِ مُسَاعَدَتي فِي شَرْحِ هَذِهِ الأبْيَات ؟
بِكُلِّ سُرورٍ . أسْمِعِـيـنِي
يَا إِلــــــهِي مَرْثِيَّـــــةٌ مُنْذُ الصَّبَاح ، غُصْتُ فِيهَا إِلَى أنْ دَمَعَتْ عَيْنَاي ، مَسَحْتُ دُمُوعِي و سَلَّمْتُ أَمْرِي لله ، بَدأَتْ زَمِيلَتِي تَعْتَذِرُ دُونَ سَبَبٍ وَاضِحٍ فَهِيَ لاَ تَدْرِ مَا بِدَاخِلي ، و أنَا أُرَدِّدُ: لاَ بأْس ... لاَ بأْس .
وَصَلْنَا مُبَكِّرِينَ ذَلِكَ اليَوْمَ ، قُرِعَ الجَرَسُ و انْتَظَمَتْ الطَوَابِيرُ ، أعِيدَتْ تَحِيَّةُ الوَطَنِ مِرَارًا بأمْرِ مُدِيرَةِ المَدْرَسَةِ ؛ لانْخِفاضِ صَوْتِ الطَّالِبَاتِ ، ثُمَّ قُدِّمَ البِرْنَامَجُ الْإذَاعيُّ الَّذي كَانَ عَنِ المَوتِ .. ذَلِكَ المَارِدُ الجَبَّارُ الَّذِي يَأْتِي بَغْتَةً لِيَحْرِمَنَا مَمَّنْ نُحِبُ حُرْمَةً أَبَدِيَّةً ، كَمْ أَكْرَهُهُ و أَحْتَسِبُ الأجْرَ عَلَى اللهِ الحَيِّ القُيُّومِ .

كُنْتُ بِحَاجَةٍ إِلَى تَهْيِئَةٍ نَفْسِيَّةٍ ، فَأخَذْتُ الْحِصَّةَ الأولَى أَقْرَاُ القُرْآنَ الكَرِيمَ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ، و فَوْرَ أنْ دَقَّ جَرَسُ الحِصَّةِ الثَّانِيَةِ ذَهَبْتُ لِحِصَّتِي الَّتِي كَانَ مَوْضُوعُهَا تَعْبِيرًا عَنِ الْوَقتِ و أَهَمِّيَتِهِ ، سُعِدْتُ بأداءِ الطَّالِبَاتِ الرَّائعِ ، كُنَّ فِي قمَّةِ الإبْدَاعِ ، حَضَّرْنَ البَرامِجَ و الحِوارَ الهَادِفَ و مَسْرَحِيَّةً مُمْتِعَةً عنِ الْوَقْتِ و أهَمِّيَتِهِ ، و خُتِمَتْ الحِصَّةُ بِخُطْبَةٍ ارْتِجَالِيَّةٍ أَبْهَرَتْنِي حَقًّا ، رغمَ أنَّهَا عَادَتْ بِنَا إِلى السَّاعةِ و قُرْبِ السَّاعَةِ و المَوْتِ الَّذِي لاَ بُدَّ أَنْ نُسَابِقَهُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ قَبْلَ أنْ نَنْدَمَ عَلَى مَا فَاتَ ، تأَثَّرْتُ كَثِيرًا، بَعْدَها شَكَرْتُهُنَّ عَلَى مَا قَدَّمْنَ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، و عُدْتُ إلَى غُرْفَةِ المُعَلِّمَاتِ و أنَا مُتْعَبَةٌ جَائِعةٌ ، طَلَبْتُ مِن زَمِيلَتِي ( شَيْخَة ) أَنْ تُرَافِقَنِي إِلى الْجَمْعِيَّةِ ، و مَا أنْ شَرَعنَا نَأْكُلُ حتَى جَاءتْ طَالِبَةٌ لاَهِثَةً تَقُولُ و عَيْنَاهَا قَدْ أَثْقَلَهُمَا الْخَوفُ ، واصْفَرَّ وَجْهُها : أُسْتَاذَة ... أسْتَاذة ... الْحَقِينا زَمِيلَتُنَا ... مَاتَتْ !!

تَجَمَدْنَا فِي مَكَانِنَا ، رَمَيْنَا كُلَّ شَيءٍ و خَرَجْنَا بِخُطُواتٍ مُسْرِعَةٍ مُتَعَثِّرَةٍ نَجْرِي وَرَاءَهَا ، وَجَدنَا الجَمِيعَ يَبْكِي و الطُّفُولَةُ يَعْتَصِرُهَا الخَوْفُ !! أَمْسَكْتُ قَلْبِي الَّذِي أَحْسَسْتُه يَخْرُجُ مِنْ جَوفِي ، تَذَكَّرْتُ الدُكْتور سُلَيْمَان الشعَيْلي و هُوَ يُفَسِّرُ لَنا قَوْلَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأحْزَاب : " و إِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ و بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ و تَظُنُّونَ باللهِ الظُّنُونَا " صًدَقَ اللهُ الْعَظِيمُ ، سَأَلَتْ زَمِيلَتِي : أَيْن الطَّالِبَة ؟ أَجَابَتْ إحْدَاهُنَّ نُقِلَتْ إلَى الْمَرْكَزِ الصِّحيِّ ، و أُخْتُهُا المِسْكِينَة تَصْرُخُ دُونَ وَعْيٍ ، لَمْ نَسْتَطِعْ الصَّبْرَ حَتَّى تَرْجِعَ المُعَلِّمَةُ الَّتِي أَخَذَتْهَا لَحِقَ بِهَا بَعْضُهنَّ ، و حَاوَلْنا الاتْصِالَ بِهَا لَكِنَّها لَمْ تأْخُذْ هَاتِفَها فَالْوَقْتُ لَمْ يُسْعِفْها ، كَانَتْ لَحَظَاتٍ مُرْعِبَةً جِدًّا حَتَّى اتَّصَلَتْ إحْدى الْلَوَاتِي لَحِقْنَ بِهَا لِتُطَمْئِنَنَا أَنَّ الطَّالِبَة بِخَيرٍ و قَدْ تَمَّ إسْعَافُهَا بَعْدَ أَنْ بَلَعَتْ دُبُّوسًا و سَقَطَتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا فَظَنَّهَا الجَمِيعُ قَدْ فَارَقَتِ الْحَيَاةَ ، سَكَنَتْ النُّفوسُ و مُسِحَتْ الدُّموعُ ، و هَدأَ الرُّعْبُ ، فشَكَرْنَا الله الْعَلِيَّ القَدِيرَ عَلَى لُطْفِهِ فِي الأمْرِ ، و حِكْمَتِهِ التِي جَعَلَتْنَا نَرَى الْحَياةَ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ .

كَانَ لَدَيَّ حِصَّةٌ رَابِعَةٌ لَم تَكُنْ أَقَلَّ جَمَالاً مِن الثَّانِيَةِ مَرَّتْ سَرِيعًا ، بعْدَهَا مَضَيْتُ إلَى غُرْفَةِ المُعَلِّمَاتِ حَيْثُ تَنْتَظِرُنِي مُشْرِفَةُ المَسْرَحِ الَّتِي اتَّفَقْتُ مَعَهَا عَلَى هَذِهِ الحِصَّةِ لِمُتَابَعةِ أُمُورِ المَسْرَحِ ، و مُتَابَعَةِ أَداءِ الطَّالِبَاتِ ، و لِنُخَطِّطَ مَعًا مِنْ أَجْلِ إحْرَازِ مَرْكَزٍ فِي التَّقييمِ ، كَانَتِ الأعْمَالُ كَثِيرَةً ذَلِكَ اليَومَ ، بَعْد جَرَسِ السَّادِسَةِ و الأخِيرَةِ ذَهَبْتُ إلَى مُعَلِّمَتِي المُتَعَاوِنَةِ تِلْكَ الطَّيِّبَةُ الَّتِي سَاعَدَتْنِي لِأَفْهَمَ تَفْكِيرَ الطَّالِبَاتِ و الصُّعوبَاتِ الَّتِي يُوَاجِهْنَهَا ، اتْفَقْتُ مَعَهَا عَلَى دَرْسِ الأسْبوعِ الْقادِمِ ، نَوَّعَتْ لِي كَمَا طَلَبْتُ مِنْهَا ( ذَكَرَهَا اللهُ بالْخيْرِ و أَحْسَنَ إِلَيْهَا و جَزَاهَا خَيْرًا ) ، انْصَرَفتُ بَعْدَهَا لأَنَسِّقَ مُشَارَكَةً لِي فِي يَوْمِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّذِي سَيَكُونُ الأسْبُوعَ الْقَادِمَ بإذْنِ اللهِ ، اقْتَرَحْتُ عَمَلَ مُسَابَقَةٍ لِمَجْمُوعةِ اقرأْ .
اكْتَشَفُتُ فِي هَذا اليَومِ الشَّـاقِ أَمْرًا (بَدَرَ مِنْ إحْدَاهُنَّ ) جَعَلَنِي أَتَمَزَّقُ مِنَ الدَّاخِل ؛ لأنِّي كَتَمْتُهُ فِي نَفْسِي و احْتَسَبْتُ الأجْرَ عِنْدَ اللهِ، و سُرْعَانَ مَا انْتَهَتِ الحِصَّةُ ، خَرَجْنَا إلَى الحَافِلَةِ بَعْدَ يَوْمٍ حَافِلٍ بالمُفَاجَآتِ .

فِي الْحَافِلَةِ بَدَأْتُ أَرْاجِعُ أحْدَاثَ ذَلِكَ اليَوم ، لَمْ أحتَمِلْ أَكْثَرْ أَجْهَشُتُ بِالْبُكَاءِ ، تَذَكَّرْتُ كُلَّ شَيءٍ حَتَّى صُورَةُ جَدَّتِي الَّتِي تُوفِيَّتْ قَبْلَ أَيَّامٍ قلاَئل ، وقِيلَ لِي أنَّهَا كَانَتْ تُرَدِّدُ اسْمِي و هَيَ تَحْتَضِرُ كَوْنِي الْوَحِيدَةُ (مِن أحفَادِها الَعشْرَةَ ) الَّتِي لَمْ أرَهَا مُنْذُ شَهْرٍ كَامِل لانْشِغالِي بِالْدِّراسَةِ فِي الْجَامِعَةِ ، ضَاق صَدْرِي وَ أنَا أشْـعُــرُ بِرَغْبَةٍ فِي احْتِضَانِهَا كَمَا تَعوَّدتُ ، وَ شَوْقٍ لِلَحْظَةِ شَغَبٍ تَعَوَدْتُ عَلَيْهَا ، بَحَثْتُ عَنْ سَبَبِ حُزْنِي و تَعَبِي ، و زَمِيلَتي تُحاوِلُ جَاهِدَةً أنْ تُهَدِّئَ انْفِعالي ، و صَلْتُ إلَى قَنَاعَةٍ بِأَنَّ الجَامِعَةَ هِيَ السَّبَبُ فِي كُلِّ مَا أُعَانِــيهِ ، أتْعَبُ فَوْقَ طَاقَتِي ، لاَ وَقْتَ حتَّى لأهْلي ، و لَيْتَ التَّعَبَ يَأْتِي بِنَتِيجَةٍ !!

قَرَّرْتُ أَنْ أتْرُكَ الْجَامِعَةَ ، رَاجَعْتُ الأمْرَ فِي رأسِي ، ثُمَّ قُلْتُ لزَمِيلَتي : سَأتْرُكُ الجَامِعةَ ، لَمْ أَهْتَمْ بِرَدَّةِ فِعْلِهَا ، كُلُّ تَفْكِيري فِي قَرَارِي الَّذِي اتَّخَذْتُهُ و بِإصرَارٍ شَدِيدٍ ، مَا أَنْ وَصَلَت الحَافِلَةُ إلَى الجَامِعَةِ حَتَّى طَلَبْتُ مِنَ الرَّجُلِ الطَيِّبِ أَنْ يُوقِفَنِي فِي كُلِّيَةِ الآدَابِ لألْقِي نَظْرَتِي الأَخِيرَةَ عَلَى قِسْمِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ و أَسَاتِذَتِهِ الْكِرَامِ ، صَعَدْتُ إلَى الْقِسْمِ تَرَدَّدْتُ فِي الدُخُولِ ؛ خَشْيَةَ أَنْ أُغَيِّرَ رَأْيِي فِي الأَمْرِ الذِي أَزْمَعْتُهُ ، يَبْدُو أَنَّ أَحَدَهُمْ لَمَحَنِي مُتَرَدِّدَةً فِي الدُّخولِ ، وَقَفَ خَلْفَ البَابِ يَنْتَظِرُنِي بابْتِسَامَةٍ لَطِيفَةٍ ، رُبَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا ، رَمَيْتُ التَّرَدُّدَ جَانِبًا وَ مَضَيْتُ ، قَالَ لِي و السَّعَادَةُ الصَّادِقَةُ طَافِحَةٌ عَلَى وَجْهِهِ ، أهْلاً بالشَّاعِرَةِ المُتَأَلِقَةِ دَائِمًا ( وَ أَذْكُرُ أَنَّهُ نَادَانِي مَرَّةً بابْنَةِ المُلُوكِ ! لاَ لِشَيءٍ إلاَ لأَنَّه قَرَأَ فِي أحَدِ كُتُبِ التَّارِيخِ أَنَّ البُرَيْدِيينْ حَكَمُوا الخَلِيجَ زَمَنًا وَ طَرَدُوا البُوَيْهِيين مِنْهُ ) ، أَيْنَ أَنْتِ يَا بُنَيَّة ؟!! ظَنَنْتُكِ تَخَرَجْتِ عِنْدَمَا قَرَأْتُ حَائِيَتَكِ المُعَلَّقَةَ فِي الْقِسْمِ ! كَمْ أَنَا فَخُورٌ بِكِ يَا رُقَيَّة !! أَخَذَتْ كَلِمَاتُه تَنْسَابُ إِلَى أْعْمَاقِي كَالثــَّـلْجِ ، لَوْ يَعْلَمُ هَذا الأُسْتَاذُ قَرَارِي المَجْنُونَ كَيْفَ سَيَكُونُ مَوْقِفَهُ مِنِّي؟!! حَاوَلْتُ تهْوين الأمْرِ ، بَعْدَهَا مَضيْتُ دُونَ تَحْدِيدِ وِجْهَةٍ حَتَّى سَاقَتْنِي قَدَمَايَ إِلَى مَرْكَزِ الإِرْشَادِ النَّفْسِيِّ الذِي أقْتَرِبُ مِنُه لِلْمَرَةِ الأولَى فِي حَيَاتِي الجَامِعِيَّةِ ، دَخَلْتُ وطَلَبْتُ مُقَابَلَةَ أَحَدِهُم ، قِيلَ لِي خُذِي مَوْعِدًا وَ عُودِي لَاحِقًا (كَانتْ السَّاعَةُ الثَّانِيَّةَ و النِّصفَ مَسَاءً) وَقَفْتُ مَكَانِي أَجُولُ بِنَظَري فِي تَقَسِيمِ وَجْهِ المُنَسِّقَةِ الَّتِي سُرْعَانَ مَا طَلَبَتْ مِنِّي الجُلَوسَ بَعْدَ أَنْ انْهَارَتْ نَفْسِيَّتي المُتْعَبَةُ أَمَامَهَا فانْفَجَرْتُ بَاكِيَةً ، تَرَكَتْنِي حَتَّى هَدَأْتُ ، ثُمَّ شَرَعَتْ بِأَخْذِ بَيَانَاتِي و مِفْتَاحَ الْمُشْكِلَةِ ، عِنْدَمَا رَأَتْنِي عَلَى حَالَتِي تِلْكَ اسْتَدْعَتْ الدُّكْتُورَة مُنَى عَلَى أَساسِ أَنَّهَا حالَةٌ طَارِئَةٌ ، جَاءَتْ الدُّكْتُورَة و أَخَذَتْنِي مَعَهَا إلَى مَكْتَبِهَا بَدأَتْ الْحدِيثَ بالْسُؤَالِ عَنِ الاسْمِ و الكُلِّيَةِ و السَّنَةِ الدِراسِيَّة ،ثُمَّ السُؤَالِ عَنِ الحَالِ ، ... طَالَتْ الجِلْسَةُ كَثِيرًا فَكُلَّمَا أَرَدْتُ الحَدِيثَ أَثْقَلَنِي البُكَاءُ المَخْنُوقُ بِداخِلِي ، وانْتَظَرَتْنِي وَ هِيَ تَمْسَحُ عَلَى كَتِفِي ، جَعَلَتْنِي أتَحَدَثُ عَنِ الجَوَانِبِ الإِيجَابِيَّةِ للجَامِعَةِ لِتُقْنِعَنِي أَنَّهَا أكْثَرُ ، لَكِنَنِي كُنْتُ أَرَى الحَيَاةَ خَلْفَ زُجَاجٍ أَسْوَدٍ ، بَقـِيتُ مُصِرَّةً عَلَى رَأيي ، طَلَبَتْ مِنِّي التَّرَيْثَ و تَأْجِيلَ فَصْلٍ ثُمَّ العَودَةِ ، رَفَضْتُ ذَلِكَ ، قَالَتْ لِي : خُذي هَذا الأُسْبُوعَ إجَازةً يَجِبُ أَنْ تَعُودي إِلَى البَيْتِ و لاَ تُفَكِّرِي فِي شَيءٍ عَدَا صِحَّتَكِ وَ رَاحَتَكِ النَّفْسِيَّةِ ثُمَّ عودي السَّبْت إِلَيَّ ، أَجَبْتُهَا أَنَّ لَدَيّ امْتِحانَ قيَاسٍ نَفسِيٍّ فِي اليَوْمِ التَّالِي و امْتِحَانًا آخَرَ يَومَ السَّبتِ لِمَادةِ الإعْجَازِ ، و لاَ أُحِبُّ تَأْجِلَ الامْتِحَانَاتِ ، إمَّا أَن أذْهَبَ و لاَ أعُودُ أَو أَبْقَى ، طَلَبَتْ مِنِّي أَسْمَاءَ جَمِيعِ الأسَاتِذَةِ أَخْبَرْتُهَا ، ثُمَّ طَلَبَتْ مِنِّي الاتْصَالَ بِأَخِي أَمَامَهَا لِيَأْخُذنِي رُبَّمَا لِتَتَأكدَ مِنْ إصْرارِي ، رَفَضْتُ حَتَّى لاَ أُزْعِجَ أخِي فِي ذّلِكَ الوَقْتِ فأَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يّعُودُ مُتْعَبًا مِنَ العَمَلِ و لَدَيْهِ درَاسَةٌ مَسَائِيَّة، اتْفَقْتُ مَعَهَا عَلَى مَا اقْتَرَحَتْ ( آخُذُ الأيَامَ المُتَبَقِّيَّة مِنَ الأُسْبُوعِ إِجَازةً ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهَا ) ، خَرَجْتُ الرَّابِعَة أَو يَزِيد ، أَرْسَلْتُ لأخِي أنَّي أرِيدُ العَوْدَةَ إلَى البَيْتِ ، اتْصَلَ يَسْأَلُنِي عَن السَّبَبِ أَخْبَرْتُهُ الحَقِيقَةَ ، رَفَضَ أَنْ يَأْتِي و اكْتَفَى بِقَوْلِهِ : أَعْتَذِر . لاَ أُحِبُ أَنْ أرَاكِ فِي لَحْظَةِ ضَعْفٍ تَتَصَرَّفِينَ تَصَرُّفًا أَحْمَقًا كَهذَا ، فَكِّرِي بِنَا ، بِأُمِّكِ ، فَكِّرِي فِي المُسْتَقْبَل ،... أَيْنَ رُقَيَّةُ الَّتِي كَانَتْ تَقُولُ ... هَلْ تَنَازَلْتِ عَنْ كُلِّ شَيءٍ فِي لَحظَةٍ ؟! أَعِيدِي التَفكِيرَ إلى الغَدِ و سآتِيكِ غَدًا نَخْرُجُ فِي نُزهَة ٍقَصِيرَةٍ و أُعِيدُكِ إِلَى الجَامِعَةِ ثَانِيَةً .
بَعْدَهَا قَرَرْتُ أَنْ أَنَامَ ، اسْتَيْقَظْتُ لأَجِدَ الكَثِيرَ مِنَ المُكَالمَاتِ التِي لَمْ يُرَدّ عَلَيْهَا ، يَبْدُو أَنَّ خَبَري انْتَشَرَ كَالْبَرْقِ بَيْنَ زَمِيلاَتِي اللواتِي رَأَيْنَ حَالِي فِي الْحَافِلَةِ و بَيْنَ أَفْرَادِ عَائِلَتِي ، لَمْ تَكُنْ لِي رَغْبَةٌ فِي الْحَديِثِ مَعَ أَيّ مَخلُوقٍ عَدَا أُمِّي اتَّصَلْتُ بِهَا ، هَاتِفُهَا تَعَذَّر ، اتَّصَلَتْ بِنَفْسِهَا فِيمَا بَعْد، بَكَتْ و عَزَّ عَلَيَّ بُكَاؤُهَا ، أخبَرْتُهَا أَنَّهَا حَالَةٌ و ذَهَبَتْ مَعَ الرِّيحِ لاَ أكْثَرَ ، وَعَدْتُهَا بالاجْتِهَادِ و حُضُورِ المُحَاضراتِ ، لَمْ أسْتَطِعْ الوَفَاءَ بِوَعْدِي فِي المُذاكَرَةِ غَيْرَ أَنِّي كَلَّفْتُ نَفْسِي حُضُورَ المُحَاضَراتِ في اليوْمِ التَّالِي ، و توَالَتْ اتِّصَالاَتُ الأَحِبَّةِ فِي اليَوْمِ التَّالِي ، بَدَأْتُ أَشْعُرُ بِقِيمَتِي، فُوجِئْتُ باتِّصَالِ بَعْضِ أسَاتِذَتِي الَّذِينَ لَحظُوا تَغَيُّري و أَخَذُوا رَقْمَ هَاتِفِي مِن زَمِيلاَتِي لِيَقِفُوا إلَى جَانِبِي حَتَّى لاَ أُبَاشِرُ تَصَرُّفِي الأَحْمَقَ الَّذِي سَمِعُوا بِه مِن زَمِيلاَتي ، شَيْئًا فَشَيْئا بَدَأْتُ أَسْتَعِيدُ ثِقَتِي بِنَفْسِي و للهِ الحَمْدُ، ظَلَتْ الفِكْرَةُ تُرَاوِدُنِي كُلَّما مَرَرْتُ بأَزْمَةٍ تَحْرِمُنِي حَقَّ الامْتِيَازِ الذِّي أجْهَدْتُ نَفْسِي لِأَجلِهِ، كُنْتُ أَنْوِي العَوْدَةَ ذَلك الأُسْبُوعَ إلى بَلَدِي التِي طَالَمَا تَغَنَّيْتُ بِها :

فَرْقٌ رَبِيبَةُ أَحْرُفِي و قَصِيدِي

وَعَظِيمُ حُبِّيَ بَلْ مَنَارَةُ عِيدِي

إِنِّي وإِن بَعُدَتْ دُرُوبُكِ لَحْظَةً

سَيَظَلُّ يَنْبِضُ فِي هَوَاكِ وَرِيدي

مَا جَالَ فِي خُلْدِي نَسِيمُكِ مَرَّةً

إِلاَّ ذَكَرْتُ شُمُوخَكِ الْمَعْهُودِ


كُنْتُ أُفَكِّرُ فِي رَاحَتِي ، و أَيُّ راحةٍ تِلْكَ التِي بِتُّ أَطْلُبُ ! جَاءنِي خَبَرُ وَفَاةِ خَــال أمِّي بِنَوْبَةٍ قَلْبيَّةٍ ، قَضَيْتُ إِجَازَتِي فِي الْعَزَاءِ بَينَ الدُّمُوعِ ، لَمْ أسْتَطِعْ أدَاءَ امْتِحَانِ الإعْجَازِ يَوْمَ السَّبْتِ وَلَمْ أجْرُؤْ عَلَى شَرْحِ ظُرُوفِي للدُّكْتُور ، تَقَبَّلْتُ عِقَابَهُ الدُّبْلُمَاسِيَّ بِصَمْتٍ و احْتَسَبْتُ الأَجْرَ عَلى الله فَهُوَ الأعْلَمُ بِحَالي المُسَيِّرُ لأَمْري و المُقَدِّرُ لِكُلِّ شَيءٍ ، و قُمْتُ ( كَعَادَتِي مسَاءَ كُلَّ سبتٍ) بِتَجْهِيزِ مُتَطَلَّبَاتِ التَّرْبِيَةِ العَمَلِيَّةِ ، تأَمَّلْتُ الْوَسَائلَ المعَدَّةَ و رَاجَعْتُ خُطَّتِي و مُسَابَقَةَ جَمَاعَةِ اقْرَأْ التِي أَعْدَدْتُهَا ، ثُمَّ شَرَعْتُ لِنَوْمٍ مُبَكِّرٍ، أَرْهَقَنِي اللَّيلُ كَثِيرًا ، عَيْنَايَ لَمْ تَسْتَطْعِمَا النَّوْمَ، تَذَكرْتُ الدُّكْتُورَةَ اَّلتِي وَعَدْتُهَا بالْعَودةِ و لَم أَجِدْ وَقْتًا ، شَيءٌ مَا يَدْفَعُنِي لِلتَّخَلُفِ عَنِ التَّرْبِيَة العَمَلِيَّةِ ، ذَهَبْتُ لِزَمِيلَتِي سَلَّمْتُهَا المُسَابَقَةَ ، كَانَ الوَقْتُ مُتَأَخِّرًا ،قُلْتُ لَهَا احْتِرَاسًا فَقَطْ إِنْ لَمْ أَتَمَكَّنْ مِن المَجِيءِ للمَدْرَسَةِ غَدًا ، اسْتَلَمَتْهَا و لله الحَمْدُ، و فِعْلاً وَجَدْتُ نَفْسِي غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى الذَّهَابِ مَعَهُنَّ ، انْتَظَرْتُ الصَّبَاحَ و تَوَجَهْتُ إلَى مَرْكِزِ الإرْشَادِ ، و لَكِن للأَسَفِ مَا وَجَدْتُ الدُّكْتُورَة ، خَاب أَمَلِي و لَكِنْ أخَذْتُ مَوعِدًا فِي اليَومِ التَّالِي و ذَهَبْتُ فِي المَوعدِ ، فَقِيلَ لِي بِأنَّ لَدَيْهَا اجْتِمَاعًا ، أخَذتُ مَوعِدًا آخَرَ ، و لَكِنْ للأَسَفِ لَمْ أجِدْ وقْتَا لِلذَّهَابِ هُنَاك .

مَضَتْ الأيامُ سَريعًا ، و الجَمِيعُ يُؤَازِرُنِي لِأُواصِلَ المَسِيرَةَ ، اسْتَرْجَعْتُ قُوايَ و عَقَدْتُ عَزْمًا عَلى المُضِيِّ قُدُمًا ، تَحَديْتُ الظُروفَ و قَرَّرْتُ السُّطُوعَ فِي سَمَاءِ التَّأَلُقِ !!






الأربِعَاء 22 شَوَّال لِعامِ1427 هـ المُوَافِق 15 تِشْرِينَ الثَّانِي / نُوفَمْبَر لِعَام 2006 م

الأربعاء، 7 أبريل 2010

أَيَّــام فِي رُوحِ الذَّاكِرَةِ

مِنْ ملَفَّانِي الْقَدِيمَة .. قَرَّرْتُ نَشْرَهــا هُنـا ..


كَانَ لِصَوْتِ الْعَفَاسِي فِي أُذُنِي وَقْعٌ مُخْتَلِفٌ هَذِهِ الْمَرَّة، وَهُوَ يَصْدَحُ عَبْرَ هَاتِفِي (إلاَّ صَلَاتِي مَا أَخَلِّيهَا...الخ) فَتَحْتُ عَيْنَيَّ ؛ لأرَى ابْتِسَامَةَ الْفَجْرِ السَّاحِرَةِ خَلْفَ زُجَاجِ نَافِذَتِي وهِيَ تَمُدُّ لِي يَدًا لِتَنْتَشِلَ بِهَا كَسَلاً اعْتَادَ المَبِيتَ مَعِي كُلَّ لَيْلَةٍ ، تَضَرَّعْتُ للهِ قَبْلَ خُرُوجِي وَ أَنَا أَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيَّ أَمَلاً جَدِيدًا ، و نـَظْرَةً لِغَدٍ بَعِيدٍ .

بَدَتْ خطُواتِي سَرِيعةً عَلَى غَيْرِ الْعَادَةِ ، يَمَّمْتُ وَجهي إلى كُلِّيَةِ التَّربِيَةِ ، فإِذَا بِبَعضِ صُوَيْحِبَاتِي سَبقْنَنِي لانْتِظَارِ الْحَافِلةِ ، تَطْفو عَلى مَلامِحِهِنَّ البَهجَةُ و شيءٌ مِنَ الخَوْفِ الجَمِيلِ، يَبدُو أنَّهُنَّ قَدْ استَبْدَلْنَ مَرَارَةَ الانْتِظَارِ بِلَذَةِ الجِدِّ و الحَمَاسِ !

و أخِيرًا أشْرقَتْ الحَافِلَةُ في تَمَامِ السَّادِسَةِ و الثُّلثِ ، مَلأناهَا حَدَّ النِّهَايَةِ ، انْطَلَقتْ تَجُرُّ وَراءَها حُلمًـا بَاتَ بَعْضَ حَقِيقة .

لاحَتْ لَنا فَجْأةً لافِتَةٌ كُتِبَ عَليهْا ( مَدْرَسةُ ولايَةِ بدبد ...) تَسَلَّلَ الخَوْفُ إِلَى نَفْسِي مِنْ حَيْثُ لا أَدْرِي ، تَقَدَّمْتُ بِخُطـىً مُتـثَـاقِلةٍ تائهةٍ ، المَكَاتِبُ بلا أروَاح ، ليْسَ إلَّا أجْسَامًا مُتَحَرِّكَةً صَغِيرَةً ، تَحْمِلُ وجُوهًا بَريئَةً نَقِيَّةً طـَاهِرةً ، تَبْعَثُ شَيْئَا مِنَ الاطْمئْنَانِ .
بَعْدَ دَقائِقٍ رأيتُ الجَميعَ يتَّجِهُ إِلَى غُرْفةٍ ليُودِعَ تَوْقيعَهُ ثُمَّ يَمْضِي قَلَّدتُهُنَّ وَخَرَجْتُ عَلَى وجْهٍ بائسٍ بِصَوْتٍ خافِتٍ يَسَألنُي :
أي تخَصُّصٍ أنْتِ ؟
أجِيب بابتسَامَةٍ :
اللغة العربية .
و كَأنَّ طَيْـفَ نُورٍ ارتطمَ بذلِكَ الْوَجه!!
- أنَا أعْطِي لِصُفُوفِ التَّاسِعِ و الثَّامِنِ المُطَّوَّرِ . هَلْ تَأْخُذِينَ مَعِي ؟
- أَيْنَ المُعَلِّمَةُ الأُولَى ؟ و أينَ المُدِيرَة ؟
- المُديرَة لمْ تًأتِ بَعد . و لا أدْرِي أيْن تجِدِينَ المُعلِّمةَ الأولَى
- !!!!!!!
- مَنْهَجُ التَاسِع جَميلٌ ، و سَيُريحكُم ...
- حَسَنًا حسنًا سَأنْظُرُ فِي الأمْرِ ... نَنْتَظِرُ المُدِيرَةَ و المُعَلِّمَةَ الأُولى .
أَغْرَى لِسانُها أُذْنيْ زَميلَتِي فَبَادَرتْ قَائِلةً :
ما اسْمُكِ يَا أسْتَاذة ؟ أنَا سآخُذُ مَعَك .
فمَضَيْتُ غَيْرَ مُبَالِيَةٍ بِمَا يُقَالُ ، تَكَرَّرَ المشهَدُ نَفْسُه مِرارًا و تَكرارًا و الغَرَابَةُ تَمْلؤُنِي إلَى أَنْ دُقَّ الجَرسُ ، و بَدَأَت الأَفْوَاجُ تَتَوافَدُ فِي مَشْهَدٍ كِلاسِيكيٍّ رَائعٍ أثَارَ فِي نَفسِي مَلَاحِمَ الذِّكْرَيَاتِ القَدِيمَةِ ، قُلْتُ فِي نَفسِي: يَا إلهِي هَذهِ المَرَّةُ مختلِفةٌ تَمَامًا فَقَدْ اخْتلَطَتْ الأَدْوَارُ و لَمْ تَعُدْ كَالسَّابِقِ!!
و فِي غَمْرَةِ الطَّابُورِ الصَّبَاحِيِّ لَاحَ لِي مِنْ بَعيدٍ يَدانِ مُمْتدَّتَانِ تَطْلُبَانِ عِنَاقِي .. ربَّاه !! إنَّه وَجْهٌ مأْلُوفٌ .. إنَّها مُعَلِمَتِي الَّتي كَانَتْ تَصُفُّ لَنَا مَمَالِكَ الأحْيَاءِ بالصَّفِ الأَولِ الثـَّانَوِيِّ، شيْءٌ يَدْفَعُنِي و إيَّاهَا لِلْبُكَاءِ الصَّامِتِ بَعْدَ احْتِضَانٍ طَويلٍ!!

و كأنِّي وُلِدْتُ مِن جَدِيدٍ و نَغَمَاتُ تَحِيَّةِ الوَطنِ تَخْتَرِقُ أُذُنَيَّ لتَهُزَّ كُلَّ شَعْرَةٍ فِي بَدَنِي و كأنِّي أَسْمَعُهَا للمَرَّةِ الأولَى ، كِدْتُ أحَرِّكُ شَفَتَيَّ لأُشَارِكَهُنَّ التَّحِيَّة ، كَما اعْتَدْتُ سابِقًا ، لَوْلا صوتٌ أَلْجَمَني قائِلاً : لا تَنْسِ أنَّكِ مُعَلَمَة!! و مَــاذَا يَعْنِي ؟! ألاَ يَحِقُّ للمُعَلِّمَةِ أَنْ تُحَيِّ وَطَنهَــا ؟! لَكِنِّي فاكْتَفَيْتُ بِأصْدَاءِ النَّشِيدِ تَتَرَدَّدُ فأَرْشِفَهَا معَ نَسَماتِ الهَواءِ ، إلَى أنْ أُذِّنَ بالانْصرافِ .

أعَدْنَا سُؤَالَنَا عنِ المُعَلِّمَةِ الأولَى قِيلَ لَنَا لديْها حِصةٌ بالصَّفِ الثَّانِي عَشَر و لا تَسْتطيعُ تَرْكَها ، قُلْنَا: لا بَأسَ عَلَيْها هِيَ فُرْصةٌ للتَهيِئَةِ النَّفْسِيَّةِ . بَعْدهَا أُخْبِرنَا أنَّ المُدِيرةَ تَطْلُبُنا ، فَخشِيتُ أنْ تَكونَ مُنْزَعِجةً لِكَثْرَةِ الطَّالِباتِ المُتَدَرِّباتِ فِي ذلِك الْيَوْمَ، وجَمِيعُنَا قَدْ أَلِفَ المدْرَسةَ ، خَطوْتُ مَعَهُنَّ عَلَى وَجَلٍ واضِحٍ تَغَيَّرَ ما أنْ رأيْنا وَجْهُ المُدِيرَةِ السَّمْحِ كمَا بدا لَنا ، رَحَّبتْ بِنَا جميعًا بابتِسامَةٍ قَتَلَتْ بِهَا مَا كَانَ يَخْتلِجُنا مِن قَلَقٍ وَاضحٍ ، بَدَأَتْ بِفِكْرَةٍ عامَةٍ عَن تَاريخِ المَدْرَسةِ، و قَوَانِينِها،وأنظِمَتِها، و تحَدَّثتْ عَنْ كفاءةِ المعَلِّماتِ ، وضَعَت النِّقَاطَ عَلَى الحُرُوفِ بِبَيانِها مَا لَنَا و مَا عَلَيْنا ، أَنْصَتْنَا بِارْتِيَاحٍ حتَّى أذِنتْ لنَا بالانْصِرَافِ ، لم نُطِلْ الانْتِظارَ حَتَّى جَاءَتْ المُعَلِّمَةُ الأولَى لتوَزِّعَنا حسْبَ رَغْبِتنا عَلى الصُّفوفِ و تُعَرِّفَنَا عَلَى مُعَلِّمَاتِنَا المُتَعَاوِنَاتِ .

اتْفَقتُ مَعَ مُعَلِّمتِي المُتعَاوِنةِ الَّتِي سُعِدْتُ بأرْيَحِيَتِها و تَعاوُنِها و أسْلُوبِها ، قَرَّرْتُ أنْ أحضُرَ معَها حِصَّةَ مُشَاهَدةٍ و مَعَ غَيْرِهَا حِصَّةً أخْرَى ، اسْتمْتَعتُ كثِيرًا و زَادَ حَمَاسِي فأسْرَعْتُ لأسْتَغِلَّ ذلِكَ بالسُّؤالِ عَنْ المُعَلِّمَةِ الَّتي تُشْرِفُ عَلَى نَشَاطِ المَسْرحِ و الإلْقَاءِ ، وجَدْتُهَا و هُمُومُ الدُنيَا قَدْ سُكِبَتْ عَلَيْها !! بَدَأْتُ حَدِيثِي بالابْتِسامَةِ ثُمَّ السَّلامِ بعْدَهَا أخْبَرتُها بِرَغْبَتي في المُساهَمَةِ فِي الإشْرَافِ عَلَى المَسْرَحِ ، دُهِشْتُ بِهَا تَتَذَمَّرُ من عِبءِ المَسْرَحِ المُلْقَى عَلَى كَاهِلِها دُونَما رَغْبَةٍ مِنْهَا !! الْتَزَمتُ الصَّمْتَ لأستحْضِرَ و أنْتقي بَعْضَ الألْفَاظِ لأرْفعَ مِن مَعْنَوِيَّاتِها ، عَلِّي أُغَيِّرُ نظْرَتَها ، قالَتْ لِي : تَبْدِينَ مُتَحَمِّسَةً جِدًا يَبْدو أنكِ عضوٌ في نشَاطِ المَسْرحِ بالجَامِعَة ، أجبتُها بالْنَفي و عِبَارَةِ ( وَلكِنِّي أعْشَقُ المَسْرحَ و الْكِتَابةَ المَسْرحِيَّةَ ) ابْتَجَهَتْ بعْدَهَا و قالتْ لي : لا بَأس ذلِكَ كَافٍ بالنِّسبَةِ إِلَيَّ مَا دُمْتِ ستُسَاعِدينَني في النُّصُوصِ المَسْرَحِيَّةِ ، عِنْدَهَا أحْسَسْتُ بالمَسْؤُولِيَّةِ لأوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِي !

وبَعْدَ أنْ استقَرَّتْ أُمُورِي كُـلُّهَا أخْرَجْتُ رِوايةً كُنْتُ قَدْ بَدَأْتُ قِراءَتها ، فإذا بِصَوْتٍ يَهْمِسُ فِي أذُنِي يقْطَعُ مُتْعَتي بالقِراءةِ قائلاً : ( هل أخَذَتْ إحْداكُنَّ منْ حصَصِ فُلانَة الفٌلانِيَّة ؟) أدَرْتُ رأسِي اسْتِغْرَابًا و أجَبْتُها بِقَولٍ ممْزُوجٍ بالعَجبِ قائلةً : ( لا أَظُنُّ ذلكَ ) ابْتهَجَتْ أَسَارِيرُهَا قائلَةً: ( أحْسَنُ لَكُنْ .. و إلَّا كُنْتُنَّ ستَتوَرطْن معَهَا) و كأنهَا لَطَمَتْنِي بقِطعَةِ ثَلْجٍ عَلَى وَجْهِي تَجَمدتُ صَمتًا و اسْتِياءً ، أحَاوِلُ أنْ أصَدِّقَ مَا أسْمعُ !! أَدْرَكْتُ بأنِّي يَجِبُ أنْ أغَيِّرَ مَكَاني، تَجَاهَلْتُ الأمْرَ و اسْتَأذَنْتُ بِحُجَّةِ اقْتِرابِ مَوْعِدِ الرَّحِيلِ ، حَمَلْتُ كُتُبِي و أوْرَقِي و لَحقْتُ بزَمِيلاتِي إلَى الغُرْفَةِ نَفْسِهَا لِأُوَقِّعَ فِي جِهَةٍ أخْرُى مِنْ سِجِلِّ الصَّبَاحِ نفْسِهِ ، صعَدْتُ إلَى الحاَفلَةِ و أَنَا أجُرُّ وَرائِي حُلُمًا وَديعًا وهَدفًا أسْمَى .

مَا أنْ أطَلَّت جَامِعَةُ السُّلطَانِ قَابُوس لتَسْتَقْبِلَنَا حتّى خَطَرَتْ بِذِهْنِي صُورَةُ أُمِّي الحَبِيبَة عِنْدمَا كَانَتْ تسْتَقْبِلُنِي و أنا عَائدةٌ من مدْرَسَتِي لأطْبَعَ عَلى جَبِينِهَا و كَفَّيْهَا قُبُلَاتِ الخُضوعِ و الامْتِنَانِ، لِتَضُمَّنِي بدفءِ حَنَانِها ، أغلَقتُ عيْنيَّ .. تَنَفستُ بعُمقٍ ؛ لأستَعيدَ لَحظَاتِي السَّعيدَةَ و ابْتِسَامَتِي المَعْهُودَةَ و أغَطِّي بهَا دَمْعَتِي المُتَحَجِّرةَ، ولأُرسِلَ يَوْمِي فِي رُوحِ الذَّاكِرةِ ..






17 شَعْبَان لِعَامِ 1427هـ المُوافِق العَاشِر من أيْلول/ سبتمبر لعام 2006 م